وعي بديل: حول جهود تجديد الفكر السياسيّ الفلسطينيّ/ عوض عبد الفتاح

نُشر في فُسْحَة ثقافيّة فلسطينيّة

هذه المقالة ليست بحثيّة أو أكاديميّة، بل سياسيّة تثقيفيّة ذات هدف توجيهيّ وتعبويّ، أحاول من خلالها المساهمة في التعريف بالجهود والمبادرات الفكريّة والإستراتيجيّة التي ينغمس فيها عدد كبير من النخب الفلسطينيّة، الأكاديميّة بخاصّة، في إطار البحث عن مخرج من المأزق الخطير الذي أوصلتنا إليه الطبقة السياسيّة، ولإعادة تشكيل الوعي الوطنيّ الأصيل، والرؤيا التحرّريّة بمفهومها الشامل، وذلك لدى الجمهور الفلسطينيّ بعامّة، ومَنْ يُفترض أن يقوده نحو التحرّر.

ينطلق أعضاء هذه النخبة من خارج مدرسة أوسلو، متصدّين للأيديولوجيا السائدة الكامنة وراء الانغماس في التسوية، والتي تعيد إنتاج ذاتها من خلال الطبقة السياسيّة الحاليّة.

تستعرض المقالة مجموعة من المفاهيم والمفردات التي كانت في زمن سابق جزءًا أصيلًا وطبيعيًّا من القاموس السياسيّ لحركات التحرّر الوطنيّ من الاستعمار، والتي باتت الآن بضاعة قديمة في نهج الطبقة السياسيّة الفلسطينيّة المأزومة، وسلوكها وفكرها، وهي التي فصمت نفسها عن طموحات الشعب الحقيقيّة، وحوّلت الثوّار إلى حرّاس لنظام الاستعمار الصهيونيّ.

هيئة المؤتمر العربيّ الفلسطينيّ الثالث (حيفا، 1920)

تذكر المقالة عددًا كبيرًا من أسماء هؤلاء الأكاديميّين والباحثين، والقادة السابقين في أحزاب سياسيّة فلسطينيّة، ممّن يتميّزون بالمقدرة النقديّة والتجديديّة، وأطمح إلى أن يتوجّه القرّاء إلى كتابات هؤلاء والتفاعل مع اجتهاداتهم على نحو خلّاق، في سياق الحاجة إلى تحقيق انتشار فكريّ وحظوة في أوساط النخب، ولدى الأجيال الشابّة بخاصّة، من طلّاب جامعيّين، وخرّيجين، وناشطين وطنيّين، وقد يتعرّفون أيضًا، وفي إطار البحث والتنقيب، إلى أسماء مهمّة فاتني ذكرها، أو خانتني ذاكرتي خلال رصدها، ولكلّ مجتهد التقدير والاحترام.

في حال لم تتغيّر الإستراتيجيّة

منذ سنوات طويلة يصرخ الواقع الفلسطينيّ في وجه المسؤولين بالحاجة إلى خريطة طريق، إلّا أنّ هذا الصراخ يقع على آذان صمّاء وعقول موصدة، فقدت الإبداع، والإرادة، والرؤيا. إنّه صوت الشعب الذي وُعد بالتحرّر والانعتاق قبل أكثر من خمسين عامًا، ووجد نفسه الآن، وقد انتهت ثورته، ممزّقًا ديمغرافيًّا وجغرافيًّا وسياسيًّا، تحت نير نظام كولونياليّ وحشيّ، وتحت قيادة تغيّرت ملامحها، ولونها، وما عادت لها صلة بصورتها الأصليّة، أو بمثلها الأولى ووعودها الكبيرة.

لم تُجدِ ‘الواقعيّة‘ السياسيّة التي انتهجتها الطبقة السياسيّة الفلسطينيّة، منذ أوائل السبعينات، والتي أنتجت اتّفاق أوسلو. وهي واقعيّة تدحرجت إلى حالة مبتذلة رثّة، انتهت إلى منح شرعيّة لنظام أبارتهايد، واصل التمدّد والتغوّل حتّى في ظلّ هذا الاتّفاق. وقد بات حتّى المطلب الفلسطينيّ الممسوخ، ‘خيار الدولتين‘، خرافة، حتّى في نظر العديد ممّن آمنوا به في لحظة ما.

خلال هذه الحقبة الطويلة من الولوج والتورّط في ما يُسمّى ‘عمليّة السلام‘، وهي في نظري أكبر عمليّة تضليل في التاريخ، وقعت تحوّلات عميقة وخطيرة في بنية المشروع الاستعماريّ الصهيونيّ، الذي تعمّق وترسّخ أكثر فأكثر في الوطن الفلسطينيّ.

كما أفرزت ‘عمليّة السلام‘ تحوّلات اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة و

معنويّة خطيره داخل المجتمع الفلسطينيّ، وفي الطبقة السياسيّة التي تقود الجسم السياسيّ حتّى الآن.  يُضاف إلى كلّ ذلك، الواقع العربيّ الرثّ الذي تفاقم بانتصار الثورات المضادّة، وواقع التحوّلات الدوليّة التي تلقي بظلالها الثقيلة على القضيّة الفلسطينيّة، وعلى نضال الشعب الفلسطينيّ التحرّريّ. حاصل هذه التحوّلات، لدى شعبنا الفلسطينيّ، ينذر بمخاطر أشدّ في حال لم تتغيّر استراتيجيّة العمل.

توقيع اتّفاق ‘أوسلو’ في واشنطن: ياسر عرفات، وبيل كلينتون، ويتسحاق رابين (1993)

ليس الشعب عاقرًا

ليس هذا التوصيف للواقع، على قتامته، مدعاة للنكوص أو الخضوع. إنّ شعبنا ليس عاقرًا، وفي داخله لا تنطفأ جذوة الرفض؛ فبين الحين والآخر، وفي إطار هذا المشهد العامّ، يفاجئ الشعب نفسه، ويفاجئ العدوّ، بتعبيرات مقاومة بطوليّة، تذكّر الجميع باستمرار وقوعه تحت الاستعمار، وبقضيّته العادلة، وأنّه  لن يكفّ عن الرفض والمقاومة مهما اشتدّ بطش الاستعمار، ومهما طال الزمن. وكان آخر تجلّيات هذا الرفض الإنسانيّ إضراب أسرى الحرّيّة، شهر نيسان الماضي، الذي دام 41 يومًا. وإنّه لأمر مثير للإعجاب والفخر أن يواصل هذا الشعب، أوساط واسعة من مناضليه ومنظّماته، التحدّي والاستعداد للتضحية، على الرغم من حالة قيادته الرثّة، وعلى الرغم من استمرار رجحان كفّة ميزان القوى لصالح المستعمر.

هذا الشعب يريد قيادة حقيقيّة قادرة، وذات مصداقيّة، ويريد استئناف واستكمال مشروعه الوطنيّ التحرّريّ. ليس بوسع الشعب أن يخوض معركة تحرّريّة شاملة من دون رؤيا واضحة، وقيادة وطنيّة موحّدة ومؤهّلة، وهدف محدّد، وهذا يحتاج إلى قيادة قادرة وملهمة وإلى استراتيجيّة عمل وأمل. لكن ما العمل عندما تكون هذه القيادة قد تحوّلت إلى أسيرة اتّفاق سعت إليه ليكون منقذًا لها، فتحوّل إلى كابوس مرعب لشعبنا بأكمله، هو اتّفاق أوسلو.

لقد مرّ أكثر من عقدين على أوسلو، وحصيلته صفر، دون الاستعداد للتوقّف والمراجعة، ودون أن تتغيّر الطبقة القياديّة التي تحكم السلطة. منذ أن اشتدّت الأزمة وبان عجز الطبقة السياسيّة على نحو لا لبس فيه، وتوالت الكوارث، بدأت التساؤلات تزداد، وبات البحث عن المخرج ملحًّا ومسألة وجوديّة، وهذا البحث يحصل خارج إطار مدرسة أوسلو، ومن خلال الاستئناف على عدم أهليّة القيادة التاريخيّة.

‘حماس’: تورّط في البراغماتيّة المبتذلة

وكانت حركة ‘حماس‘ قد اعتقدت أنّها ببرنامجها وعمليّاتها مؤهّلة لتكون البديل، لكن على الرغم من كلّ التضحيات التي قدّمتها، فإنّها لم تقرّب شعبنا من التحرّر. وُلدت ‘حماس‘ وتحوّلت إلى حركه مقاومة خارج إطار الوطنيّة الفلسطينيّة التاريخيّة، وجاء حراكها التنظيميّ والسياسيّ، وعمليّاتها العسكريّة، ضدّ أوسلو، ومن خارج أوسلو، لكنّها عادت لتنضوي في إطار أوسلو من خلال الانتخابات العامّة التي نُظّمت عام 2005، بعد مقاطعة طويلة، غير أنّ محاولتها الجمع بين المقاومة والسلطة، أفضى إلى أزمه خانقة تعيشها تحت الحصار، وانفصالها عن الضفّة والقدس.

بدت ‘حماس‘ مؤخّرًا، ومن خلال قبولها دولة في الضفّة والقطاع رسميًّا، وكأنّها تسير على خطى حركة ‘فتح‘، وهكذا اكتملت خريطة الأزمة وبات الخيار الثالث مطلوبًا أكثر من أيّ وقت مضى، ولا سيّما مع تعمّق نهجها السياسيّ البراغماتيّ المبتذل، مثل اتّفاقها مع محمّد دحلان مؤخّرًا.

من مشاهد الثورات العربيّة – ميدان التحرير في القاهرة

يُقال إنّه عندما يصبح الإصلاح من الداخل مستحيلًا، تصبح الثورة حتميّة، وهذا ما حصل في العالم العربيّ عام 2011، وقد تساءل الكثيرون عند انفجار الثورات العربيّة: لماذا لا تحدث ثورة ضدّ الاحتلال وضدّ السلطة الفلسطينيّة؟ لكن دون تمحيص في تعقيدات الواقع الفلسطينيّ والعوائق التي تراكمت على نحو مدهش منذ توقيع اتّفاق أوسلو.

فكر بديل

بعيدًا عن اطّلاع الجمهور العامّ، تجري منذ سنوات محاولات دؤوبة لعدد كبير من الأكاديميّين والمثقّفين والمناضلين، للإجابة عن هذه الأسئلة، بل يتفرّغ بعضهم، كلّيًّا، للبحث، والكتابة، والحوار من أجل التصدّي للتحدّيات نتيجة وصول التسوية إلى طريق مسدودة، والمشروع الوطنيّ الفلسطينيّ وقيادته إلى مأزق كبير. تتحدّى هذه المحاولات والاجتهادات إطار أوسلو، وتغرف من تقاليد مدرسة التحرّر الوطنيّ، وقيمها، ومن التجارب الإنسانيّة العالميّة، التحرّريّة والديمقراطيّة. وتسير هذه الجهود بالتوازي مع مبادرات شعبيّة، بعضها سبق المبادرات الفكريّة، استئنافًا على نهج أوسلو، وتتمثّل هذه المبادرات الشعبيّة في لجان حقّ  العودة، واللجان الشعبيّة لمقاومة الجدار، وحركة المقاطعة (التي تُعنى بالجانب الفكريّ أيضًا)، والحركات الشبابيّة والأكاديميّة، وغيرها.

وقد كان لافتًا، وغير متوقّع، لإسرائيل ولفريق أوسلو، أن يصدر الردّ الأوّل، العمليّ، والتنظيميّ، والفكريّ، والسياسيّ عن فلسطينيّ الـ 48، ويتمثّل هذا الردّ في إقامة حزب التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ عام 1995، الذي رفض أوسلو وأصرّ على مواصلة مجابهة الصهيونيّة، عبر المطالبة بتفكيك البنية اليهوديّة الصهيونيّة والكولونياليّة لدولة إسرائيل، شرطًا لتحقيق العدالة وإقامة نظام ديمقراطيّ على أنقاض الصهيونيّة ومشروعها الاستعماريّ. مع ذلك، فإنّ التجمّع (وقد كنت أمينًا عامًّا له على مدار سنوات) يدرك الحاجة إلى مواصلة تجديد وتطوير فكره السياسيّ، ورؤيته للعلاقة مع المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ.

المثقّف الوطنيّ المستقلّ

على خلفيّة الوعي بهذا الواقع، والوعي بالمسؤوليّة الوطنيّة التاريخيّة، ازدادت أعداد المثقّفين والباحثين، ولا سيّما من طلائع ومثقّفي الجيل الشابّ، الذين يحاولون المساهمة في إعادة إطلاق المخيّلة الفلسطينيّة في مواجهه اشتداد أزمة الحركة الوطنيّة، وفي ظلّ العجز المريع للنخبة السياسيّة التي تقودها منذ 5 عقود، والتي وصلت إلى حالة إفلاس كامل في المستويات كافّة: السياسيّة، والاقتصاديّة، والنضاليّة، والفكريّة.

لم تكن مسيرة الحركة الوطنيّة على مدار تاريخ دورها القياديّ، من دون أصوات نقديّة واعتراضيّة. كانت الأصوات النقديّة تصدر، في الأساس، عن فصائل فلسطينيّة يساريّة، ضدّ نهج حركة ‘فتح‘، بصفتها الفصيل الأكبر القائد. أمّا الأصوات الفرديّة المتمثّلة بمثقّفين، فنادرًا ما كان يُصغى إليها، فهذه الشريحة لم تكن تحظى بتقدير واحترام من معظم الفصائل الفلسطينيّة، وهذا نابع من بنية هذه الفصائل العسكريّة، التي لم تُدرك أهمّيّة المثقّف الوطنيّ المستقلّ.

إدوارد سعيد (1935 – 2003)

بعد قمع الانتفاضة الثانية، أو في أواخرها، 2003 – 2004، بدأت تظهر أسماء، ومؤسّسات بحثيّة، ومواقع إلكترونيّة من خارج المؤسّسات الرسميّة، تتصدّى لإطار أوسلو وتتحدّاه. كما ظهرت في السنوات القليلة الماضية أسماء أكاديميّة شابّة، تدلي بدلوها في إطار ما يسمّى التفكير ‘خارج الصندوق‘، واللافت للنظر أنّ الغالبيّة الساحقة من هذه الأصوات والمواقع، إن لم يكن كلّها، مستقلّة. ويُشار إلى أنّ المجتهدين جميعًا، إمّا من الذين غادروا فصائلهم، أو أنّه لم يكن لديهم انتماء حزبيّ سابق، ما يؤكّد على أنّ هذه الفصائل وصلت مستوى خطيرًا من الجمود وقمع النقد، أو عدم الاستعداد للتجاوب مع مطلب التغيير على الأقلّ، والعجز عن التجديد.

ومن المهمّ التعريف ببعض هذه الأسماء والمؤسّسات طالما نهدف من هذه المقالة، في الأساس، إلى المساهمة في نشر المعرفة، وتسهيل وصولها إلى طلائع الأجيال الشابّة النشطة، ذات الوعي بأهمّيّة الاضطّلاع بالمسؤوليّة الوطنيّة التاريخيّة.

مجتهدون: شخصيّات ومؤسّسات

برز من بين المثقّفين، بصفته الأكثر مثابرة في النقد لأداء القيادة، قبل أوسلو وبعده، المفكّر الفلسطينيّ الأميركيّ إدوارد سعيد، الذي اشتهر بتصدّيه لنظريّة الاستشراق الاستعماريّة، وبالدفاع عن قضيّة فلسطين في أمريكا والغرب بعامّة. وكان سعيد قد رفع صوته في وقت مُبكر، وعلى نحو منهجيّ، ضدّ نهج القيادة، قبل الوصول إلى الاتّفاق الذي استشرف نهايته الفاشلة، بل الكارثيّة، وواصل صبّ جامّ نقده على هذا الاتّفاق حتّى وفاته عام 2003، وعدّه خضوعًا لشروط الحركة الصهيونيّة، وهو المعجب بنموذج جنوب أفريقيا المنتصر، وقد عبّر عن ذلك في مقالات كثيرة أصدرها لاحقًا في كتاب: ‘نهاية عمليّة السلام… أوسلو وما بعدها‘ (2002).

كما أنّ المفكّر الفلسطينيّ عزمي بشارة كان من هؤلاء أيضًا، إذ عبّر عن رفضه ونقده الشديد في مقال مهمّ كتبه بعد أيّام من توقيع الاتّفاق. وكان تأسيس التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ عام 1995، والدور المركزيّ الذي أدّاه بشارة في إطلاق هذا المشروع وقيادته، ردًّا سياسيًّا وثقافيًّا وأخلاقيًّا على اتّفاق أوسلو، جريئًا وطليعيًّا، وقد قدّم في السنوات الأخيرة مساهمات نقديّة كثيرة من خلال مقالات وكتب.

وفي إطار المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات (Dohainstitute)، الذي يديره بشارة، نُظّمت مؤتمرات عدّة عن القضيّة الفلسطينيّة، وشارك فيها مئات الأكاديميّين والمثقّفين الفلسطينيّين والعرب، وقيادات سابقة في فصائل الثورة الفلسطينيّة، تحمل فكرًا نقديًّا ورؤيا لمستقبل آخر، وصدرت إنتاجات مهمّة عن كيفيّة الخروج من المأزق.

عزمي بشارة

تفرّغ عالم الاجتماع، جميل هلال، وهو قائد سابق في الجبهة الديمقراطيّة لتحرير فلسطين، لمعالجة جذور الأزمة وطرح البدائل، وقد تناول الجذور الاجتماعيّة الاقتصاديّة للنخبة التي قادت الشعب الفلسطينيّ وأوصلته إلى هنا. وقدّم تصوّرات بديلة، في كتب ودراسات عديدة مهمّة، مثل ‘الطبقة الوسطى الفلسطينيّة: بحث في فوضى الهويّة والمرجعيّة والثقافة‘ (2006)، و’إضاءة على مأزق النخبة السياسيّة الفلسطينيّة‘ (2013)، ودراسات كثيرة، أهمّها ‘استرداد الرواية الفلسطينيّة‘ (جدليّة، 2013)، و’تحدّيات أمام الثقافة الفلسطينيّة‘ (سما، 2017) وغيرها.

وكذلك جورج جقمان، أحد مؤسّسي ‘مواطن: المؤسّسة الفلسطينيّة لدراسة الديمقراطيّة‘ في رام الله منذ أوائل التسعينات، والتي عالجت الواقع الفلسطينيّ عبر عشرات الكتب ومئات الدراسات، وقد صدرت عن المركز أبحاث مهمّة عن النظام السياسيّ، والمواطنة، والديمقراطيّة، كميل منصور من ‘مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة‘.

وثمّة عشرات المحاضرين الفلسطينيّين والباحثين في الخارج والداخل (في أوروبّا وأمريكا بخاصّة)، مثل كرمة النابلسي، وسلامة كيلة، وحيدر عيد، وإبراهيم براش، وعبد الله عوكل، وغادة الكرمي، وليلى فرسخ، وميّ جيوسي، وماجد كيّالي، وصالح عبد الجواد، وأحمد جميل عزم، وعبد الرحيم الشيخ، ونور عرفة، ومعين الطاهر، وأحمد يوسف، ودنيا الأمل إسماعيل، وعمر البرغوثي، وعلي أبو نعمة، ونور مصالحة، ورجا الخالدي، ورمزي بارود، وعلاء الترتير، وليندا طبر، وعلاء العزّة، وساري حنفي، وخالد عودة الله، وعدد كبير من الأكاديميّين الشباب في تجمّعات الشعب الفلسطينيّ كافّة.

ومن المهمّ الإشارة إلى عدد من الأكاديميّين من فلسطينيّي أراضي 48 المنخرطين في هذا الجهد، إن كان في إطار نشاط مستقلّ، أو في إطار مؤسّسات بحثيّة، ومن خلال التعاون مع مؤسّسات فلسطينيّة في الضفّة والشتات، وهو جهد يعكس تطوّر الوعي بأهمّيّة مكانة فلسطينيّي أراضي 48 ودورهم في الصراع، وبواجبهم الوطنيّ الذي يدفعهم إلى المساهمة في الجهد الفكريّ، والبحثيّ، والعمليّ، لصنع رؤيا المستقبل الفلسطينيّ المشترك. ومن هؤلاء: نديم روحانا، والباحثون والأكاديميّون العاملون في المركز الذي يديره، ‘مدى الكرمل: المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة‘، وكذلك نمر سلطاني، ونادرة شلهوب – كفوركيان، ورائف زريق، وهنيدة غانم، وبشير بشير، وأسعد غانم، ومهنّد مصطفى، وإسماعيل ناشف، ومن الشباب مجد كيّال، ورازي نابلسي. أمّا في الثقافة فعلاء حليحل، وعلي مواسي، وراضي شحادة، وغيرهم.

ومن المؤسّسات المهمّة في هذا المضمار ‘المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجيّات – مسارات‘ في رام الله، والذي يديره هاني المصري، القياديّ السابق في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، ورفيقه خليل شاهين، العامل في المؤسّسة نفسها، وهي من أكثر المؤسّسات إنتاجًا في مراجعة التجربة الفلسطينيّة واقتراح تصوّرات بديلة، وكذلك ‘مدار – المركز الفلسطينيّ للدراسات الإسرائيليّة‘، الذي تديره حاليًّا هنيدة غانم، بالإضافة إلى ‘مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة‘ في كلّ من بيروت ورام الله، وهي أعرق مؤسّسة بحثيّة فلسطينيّة، وقد واكبت الثورة الفلسطينيّة منذ بداياتها، وأدّت، ولا تزال، دورًا مهمًّا في بلوره الوعي وتزويد الشعب الفلسطينيّ بالأبحاث والدراسات.

أحد أنشطة مركز ‘مسارات’ في رام الله

وثمّة مواقع ومنابر عديدة منخرطة في هذا الجهد التجديديّ، أبرزها ‘شبكة السياسات الفلسطينيّة‘، والتي تنشر دراسات ومقالات نقديّة في اللغتين العربيّة والإنجليزيّة، ويساهم فيها عدد كبير من الأكاديميّين الشباب اللامعين، بالإضافة إلى الكبار. وثمّة مواقع فلسطينيّة باللغة الإنجليزيّة، متمركزة حول الرؤيا البديلة للسياسة الفلسطينيّة السائدة، منها ‘ Electronic Intifada‘، و”Chronicle Intifada، و ‘One Democratic State Group‘.

تعميم المصطلحات/ المفاهيم

تظهر وتتكرّر في الكتابات النقديّة الجديدة للواقع الفلسطينيّ، مصطلحات/ مفاهيم مثل: إعادة تأطير الصراع، والخطاب الكولونياليّ وما بعد الكولونياليّ، وسلطة الشعب، والمقاومة الشعبيّة، وإعادة تعريف القضيّة الفلسطينيّة، وخرافة التنمية، وخرافة الدولتين، واسترداد الرواية الوطنيّة الفلسطينيّة، وغيرها. أما في ما يتعلّق بالحلول المطروحة وخياراتها، فنقرأ عن: إعادة بناء المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ، والدولة الديمقراطيّة الواحدة، والدولة ثنائيّة القوميّة، ونظام الأبارتهايد، ونموذج جنوب أفريقيا التحرّريّ الديمقراطيّ.

وتبدو هذه المصطلحات/ المفاهيم للكثيرين، حتّى في أوساط الناشطين والقادة في العمل السياسيّ والوطنيّ، مفاهيم ومقولات عامّة لا يُتوقّف عندها على نحو كاف، ومحاولة فهم معانيها ودلالاتها الثقافيّة، والسياسيّة، والاستراتيجيّة، والحاجة إليها في مسيرة تجديد الحركة الوطنيّة، ودورها التحرّري. وهذا يعني أنّ النقد الموجّه إلى الخطاب السياسيّ السائد، لم يخرج بعد من الدوائر الأكاديميّة والمؤسّسات البحثيّة ليأخذ مجراه بين الناس، ولا سيّما بين كوادر الفصائل والأحزاب والحركات السياسيّة، ولا سيّما الشباب المهتمّ بالقضيّة الوطنيّة، والباحث عن البديل.

لقد حان الوقت للتفكير في كيفيّة تعميم هذه الأبحاث والكتابات، والتمهيد لخلق الحامل الاجتماعيّ الوطنيّ والاجتماعيّ الذي من المفترض أن يتصدّى لمهمّة التحرير وتحقيق تقرير المصير لشعبنا الفلسطينيّ. ويهدف سرد وفهم المصطلحات والمفاهيم المذكورة إلى المساهمة في تقديم استراتيجيّة عمل وأمل، وتجنيد وتعبئة الأفراد حول رؤيا متحرّرة، وطنيّة وإنسانيّة.

ليس نزاعًا حدوديًّا: إعادة تأطير الصراع

يعني مصطلح ‘إعادة تأطير الصراع‘ الذي يظهر في الاجتهادات المذكورة أعلاه، أنّ الصراع كان في إطار حالة معيّنة، ثمّ انحرف إلى إطار مختلف يبتعد عن الهدف الأصليّ، وبعدها تنشأ الحاجة لإعادته إلى منطلقاته الأولى. ما هي الحالة الأولى للصراع الصهيونيّ – الفلسطينيّ والعربيّ؟ هي حالة صراع يخوضها شعب تعرّض للغزو والاستعمار من قبل مستعمر جاء من الخارج منذ مئة عام، وطرفا الصراع هما الشعب الفلسطينيّ والحركة الصهيونيّة.

مانديلا يدلي بصوته في أوّل انتخابات ديمقراطيّة بجنوب أفريقيا (1994)

كان هدف الشعب الفلسطينيّ الأصليّ تحرير أرضه من المستعمر، وهذا الصراع يُسمّى في العلوم السياسيّة بـ ‘الاستعمار الاستيطانيّ‘ (Settler Colonialism)، وهو إحلاليّ، لأنّه يُحِلّ مجموعة خارجيّة محلّ مجموعة أصلانيّة بالعنف. ويحقّ لأصحاب الأرض الأصليّين خوض نضال بالوسائل المشروعة كافّة لطرد المستعمِر، أو لتفكيك نظام المستعمِر (حكومته ومؤسّساته) الذي يقمع الشعب ويضطّهده.

وثّمة ثلاثة نماذج تاريخيّة من النتائج التي نجمت عن الاستعمار ومقاومته في إطار الاستعمار الاستيطانيّ.

1. الاستعمار الذي انتصر بإبادة السكّان الأصليّين، ومثال على ذلك أمريكا، وأستراليا، ونيوزلندا.

2. انتصار أصحاب الوطن، كما حصل في الجزائر ضدّ الفرنسيّين الذين أُجبروا على تفكيك مستعمراتهم والعودة من حيث قدموا. وقد تحقّق مثل هذا في عشرات الدول أيضًا، في أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينيّة.

3. تفكيك نظام الاستعمار والفصل العنصريّ وإبقاء المستوطنين، عبر تسوية تاريخيّة تتمثّل بتنازلهم عن السلطة السياسيّة والهيمنة، والعيش مع أصحاب الوطن الأصليّين في إطار دولة ديمقراطيّة واحدة، تقوم على المواطنة المتساوية، مثل حالة جنوب أفريقيا عام 1994. وهو نموذج ينادي به العديد من الأكاديميّين الفلسطينيّين، وكذلك مهتمّون عالميّون في الشأن الفلسطينيّ، وتطبيقه على الحالة الفلسطينيّة الإسرائيليّة. وبات نموذج جنوب أفريقيا الديمقراطيّ موضوع اهتمام متزايد في أبحاث مقارنة تصدر عن الدوائر الأكاديميّة، ونموذجًا ملهمًا للمزيد من النشطاء السياسيّين.

كلّ هذه النماذج نماذج صراع بين مستعمَر ومستعمِر، وليس نزاعًا على حدود، لكنّ الصراع في فلسطين، وهو في الأصل صراع ضدّ استعمار استيطانيّ، حوّله اتّفاق أوسلو إلى نزاع على حدود بين دولة الاستعمار (إسرائيل) ودولة فلسطين الافتراضيّة، أي قبل أن تقوم الدولة. وقد قرّرت القيادة الفلسطينيّة في منظّمة التحرير التوصّل إلى هذا الاتّفاق، بعد عجزها عن تحقيق هدف التحرير الكامل. تضمّن الاتّفاق أنّ إسرائيل دولة طبيعيّة لا دولة استعماريّة، من دون مساءلة طبيعتها وتكوينها الداخليّ، اليهوديّ العنصريّ. هكذا تغيّر الخطاب الفلسطينيّ الرسميّ وباتت إسرائيل دولة جارة يتمحور الخلاف معها حول حدود الدولة الفلسطينيّة المستقبليّة/ الافتراضيّة الوهميّة.

واقع استعماريّ أكثر خطورة

بعد أكثر من عشرين عامًا على اتّفاق أوسلو، ومن المفاوضات العبثيّة، تبدّل الخطاب الفلسطينيّ، وتغيّرت المفردات لتصبح ملائمة لما يُسمّى ‘عمليّة السلام‘ ومتكيّفة معه، ليجد الفلسطينيّون أنفسهم في ظلّ واقع استعماريّ أكثر خطورة، وأعمق ممّا كان. كما أنّ الخطاب الإسرائيليّ أوغل في التطرّف والإنكار، على خلاف الخطاب الفلسطينيّ الذي أوغل في الاعتدال والاستجداء، وهكذا يجد الشعب الفلسطينيّ نفسه، بتجمّعاته كافّة، واقعًا تحت نظام أبارتهايد استعماريّ، أي أنّه لا يستعمر الأرض فقط، بل يفصل الفلسطينيّين ويعزلهم عن بعضهم في معازل غير متواصلة، ما يذكّر بنظام الأبارتهايد البائد في جنوب أفريقيا.

عمّال فلسطينيّون على حاجز إسرائيليّ قرب نعلين | إنتيرسيبت

انطلاقًا من هذا الواقع الذي وصل إليه المشروع الاستعماريّ الصهيونيّ، يعود الأكاديميّون والمثقّفون إلى جذور الصراع، واستحضار الخطاب الكولونياليّ لتحليل إسرائيل، كون احتلالها للضفّة والقطاع، ورفضها حلّ الدولتين، ليس طارئًا أو نابعًا من مخاوف أمنيّة، إنّما لأنّ بنية إسرائيل استعماريّة استيطانيّة، وعنصريّة، ولا تمتلك آليّة داخليّة لإصلاحها، وبالتالي لا بدّ من حشد الشعب الفلسطينيّ والرأي العامّ العالميّ، لتفكيك نظامها ومؤسّساتها التي تمارس الاستعمار، والهيمنة، والتمييز، والقهر، ليصبح ممكنًا تحقيق العدالة، وحقّ تقرير المصير للشعب الفلسطينيّ في تجمّعاته كافّة.

استرداد الرواية/ إعادة التعريف

تقلّصت القضيّة الفلسطينيّة في خطاب أوسلو إلى قضيّة الفلسطينيّين في الضفّة والقطاع، إذ همّش هذا الخطاب قضيّة اللاجئين، وأقصى فلسطينيّي أراضي 48 من أيّ حل، وهذا التهميش والتجاهل يعني، ضمنًا، تكريس دونيّة فلسطينيّي أراضي 48، والتخلّي عن حقّ أقربائهم اللاجئين بالعودة إلى قراهم ومدنهم التي هجّرتهم العصابات الصهيونيّة منها.

 ولذلك، تدعو المبادرات الجديدة إلى إعادة فلسطين، أرضًا وشعبًا، في الخطاب الثقافيّ والسياسيّ، كون فلسطين هي فلسطين التاريخيّة، وكون الشعب الفلسطينيّ يشمل كلّ تجمّعاته في الداخل والخارج.

تُجمع المبادرات المذكورة على أهمّيّة استرداد الرواية الفلسطينيّة وضرورة ذلك، عبر تفعيل الحقل الثقافيّ؛ الراوية، والشعر، والفنون البصريّة، والسينما، والمسرح، وغيرها، في ظلّ ‘تشتّت‘ الحقل السياسيّ، أي في ظلّ غياب قيادة سياسيّة وطنيّة موحّدة، وسيادة خطاب اختزاليّ يهدّد الرواية الفلسطينيّة، ولا سيّما أنّ إسرائيل ماضية بوتيرة عالية في سياساتها وحملاتها الإعلاميّة لتكريس روايتها الاستعماريّة الزائفة.

وتحتلّ مسألة الرواية الفلسطينيّة حيّزًا كبيرًا في الجهود النقديّة المشار إليها أعلاه، ويرى كثيرون أنّها باتت مسألة وجوديّة في ظلّ تفكّك المرجعيّة السياسيّة، وغياب المرجعيّة الوطنيّة الجامعة. والدعوة إلى استرداد الرواية التاريخيّة موجّهة إلى الداخل الفلسطينيّ والخارج. فإدوارد سعيد مثلًا، على صعيد الخارج، لم يكفّ عن التوجّه إلى القيادات الفلسطينيّة لتطوير خطابها السياسيّ والثقافيّ الموجّه إلى الجمهور الأميركيّ والغربيّ، وكان يرى أنّ الرواية يجب أن تأتي مباشرة من الضحيّة، وتُطرح بصفتها قضيّة سياسيّة تحرّريّة، وقضيّة معاناة رهيبة تحت نظام استعماريّ وحشيّ. أمّا على صعيد الداخل، فإنّ تفكّك حركة التحرّر الوطنيّ، وتغيير أجنداتها ومفرداتها، تلحّ من أجل العودة إلى الرواية الفلسطينيّة التي تبدأ من الغزوة الصهيونيّة قبل أكثر من مائة عام، مرورًا بالنكبة الكبرى حتّى اليوم.

لاجئون فلسطينيّون خلال النكبة (غزّة، 1949)

وترى هذه الكتابات أنّ المثقّف، أو الحقل الثقافيّ، يجب أن يضطّلع بالمسؤوليّة الوطنيّة التاريخيّة لحماية الأساس التاريخيّ والثقافيّ والروحيّ الذي يوحّد الشعب ويبقيه حيًّا ومتّصلًا بقضيّته أينما وُجد، ولا سيّما أن لا حلّ في الأفق القريب أو المتوسّط.

ثوّار باتوا جزءًا من البنية الاستعماريّة

كيف تحوّل الثوّار الذين نهضوا بالحركة الوطنيّة في الستّينات، إلى جزء من البنية الاستعماريّة الإسرائيليّة بعد اتّفاق أوسلو؟ وهل هذا حصل فجأة ومن دون مقدّمات؟ ولماذا يستمرّ هؤلاء ‘الثوّار’ بالعمل في إطار هذه البنية الاستعماريّة؟ وهل هم واعون لوضعيّتهم الجديدة، ولدورهم الغريب عن تجربة حركة التحرّر الفلسطينيّة، وعن تجارب حركات التحرّر في العالم؟

هم لم يكونوا، بالتأكيد، يرغبون في أن يجدوا أنفسهم في هذا الوضع، بعد كلّ التضحيات الجسيمة التي قدّمها شعبنا الفلسطينيّ من أجل تحرير وطنه وعودته، لكنّ القيادة الفلسطينيّة نجحت في إقناع قطاع واسع من شعبنا، وحركة ‘فتح‘، مدّعية أنّ الإقدام على توقيع اتّفاق أوسلو مردّه الهزائم التي لحقت بالثورة الفلسطينيّة في الخارج، والعجز العربيّ، والدعم المطلق من حكومات الغرب لإسرائيل.

لكنّ حقبة ما بعد أوسلو، والتحوّلات الاجتماعيّة، والسياسيّة، والثقافيّة، والذهنيّة السلبيّة التي طرأت على الجسم السياسيّ الفلسطينيّ، وعلى المجتمع، لم يعد ممكنًا فهمها أو تفسيرها من زاوية اختلال ميزان القوى لصالح إسرائيل. ولذلك بدأنا نشهد، من خلال الاجتهادات النقديّة الجديدة، عودة إلى أدوات التحليل الطبقيّ المستمدّة من الماركسيّة، بصفتها أداة تحليل لدور العلاقات الاقتصاديّة، والتبعيّة الاقتصاديّة تحديدًا، في تغيير الوعي، وإنتاج قيم وأنماط سلوك سياسيّة وأخلاقيّة مختلفة. كما يلجأ الباحثون النقديّون إلى أدبيّات المفكّر الثوريّ فرانس فانون كثيرًا، الذي تناول طبيعة النخبة التي تفرزها علاقات القوّة الاستعماريّة، فتصبح جزءًا من البنية الكولونياليّة وخادمًا لها.

يفرد حيدر عيد فصلًا كاملًا في كتابه الجديد، باللغة الإنجليزيّة، ‘مواجهة النكبة: دوله واحدة للجميع‘ (2017)، تحت عنوان ‘قراءة فانونيّة‘ (نسبة إلى المفكّر فانون) لموقع ودور النخبة الفلسطينيّة في الأزمة التي تعيشها الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، معتمدًا الخطاب الكولونياليّ في تشريح بنيتها، ومفسّرًا سلوكها السياسيّ المناهض لمفاهيم حركة التحرّر، والمتعالي على الشعب ونهج المقاومة.

فرانس فانون (1925 – 1961)

وفي دراسة لليندا طبر وعلاء العزّة بعنوان ‘المقاومة الشعبيّة الفلسطينيّة تحت الاحتلال – قراءة نقديّة‘ (2014)، يكتبان: ‘وهنا يبرز البعد الطبقيّ في ظلّ النظام الاستعماريّ، بمعنى أنّ عمليّة التماهي مع المنظومة الاستعماريّة تتجاوز البعد الثقافيّ، أو الوعي السياسيّ، لتصبح ذات طابع بنيويّ، أي تخلق مجموعة من المصالح بين النظام الاستعماريّ والبرجوازيّة الوطنيّة التي تصير وسيطًا بين مجموعة المستعمَرين والرأسماليّة. وتتعقّد العلاقة الاستعماريّة مع تحوّل البرجوازيّة الوطنيّة إلى وسيط سياسيّ مع النظام الاستعماريّ نفسه، ولا سيّما إذا ما أخذت شكلًا من أشكال السلطة السياسيّة’.

ويوضحان في مكان آخر أنّ استراتيجيّة المستعمِر تقوم على الإقصاء والاحتواء؛ ‘مع القبول السياسيّ لوجود ’شريك’ مسؤول عن تصرّفاته وتصرّفات مجتمعه السياسيّ، من دون وجود تحرّر وطنيّ حقيقيّ في الوقت نفسه، تسيطر عليه السلطة الاستعماريّة، أي إعفاء السلطة الاستعماريّة من استحقاقات الاستعمار’. وبالتالي لا تعود هذه السلطة (النخبة) تؤمن بقوّة الجماهير، ولا بدورها في المقاومة والتحدّي.

إنّ ترويض النخبة الفلسطينيّة وتكيّفها مع واقع الضبط والسيطرة، ومع واقع شبكة العلاقات الاقتصاديّة المرتبطة بالنظام الاستعماريّ، أحدث تغييرات عميقة في الوعي السياسيّ والثقافيّ لدى شرائح واسعة من المجتمع الفلسطينيّ ومن نخبه. كلّ ذلك راكم صعوبات كبيرة أمام مهمّة إعادة خلق وعي وطنيّ جماعيّ، ووعي سياسيّ جديد بديل من الوعي الزائف الذي أفرزه أوسلو، كما عقّد مهمّة بناء استراتيجيّة مقاومة شاملة وفاعلة. إنّ من إفرازات هذه التحوّلات بروز مظاهر الفردانيّة والنزعة الاستهلاكيّة على حساب التضامن الجماعيّ، والنضال، والتضحية.

إعادة بناء/ تعريف المشروع الوطنيّ

القول بإعادة بناء المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ يعني أنّ مشروعًا وطنيًّا كان قائمًا في السابق، وهو الآن إمّا غير موجود، وإمّا أنّه مهدّم، أو غير واضح، أو ربّما مطلوب مشروع آخر غير ‘المشروع’ القائم حاليًّا.

كان المشروع الوطنيّ معرّفًا، في البداية، أو مستوعبًا، بصفته مشروعًا تحرّريًّا من البحر إلى النهر، وإقامة الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة الواحدة، وأن يُتعامل مع اليهود في فلسطين بصفتهم مواطنين متساوين، وكان هذا المشروع والعمل من أجله يقوم على مؤسّسات، وثوّار، واستراتيجيّات عمل، ونضال، وتجسّدت قيادة الحركة الوطنيّة في منظّمة التحرير التي أعادت توحيد الشعب الفلسطينيّ تحت مرجعيّة وطنيّة جامعة، بعد النكبة التي شتّتت الشعب والجغرافيا.

خريطة الاستيطان في الضفّة الغربيّة (2015)

وكما أُشير في السابق، مرّ هذا المشروع/ الهدف بتغييرات عميقة، وما عاد يشبه الأصل، بل بات مسخًا، وهي تغييرات بدأت قبل أوسلو وتعمّقت بعده، فبات التفاوض على تقسيم الأرض المحتلّة عام 67 بين قيادة منظّمة التحرير ونظام الأبارتهايد الإسرائيليّ، وليس قبول الكتل الاستيطانيّة الضخمة في الضفّة والقدس، والاستعداد للمقايضة، إلا إمعانًا في التسليم بما هو أقلّ من أراضي عام 67.

كما أنّ إخراج فلسطينيّي أراضي 48 من الصراع وحلّه، كلّيًّا، والاستعداد للمساومة على حقّ اللاجئين في العودة، ليس إلّا تأكيدًا على أنّ المشروع الوطنيّ يتعرّض لاغتيال مبرمج، وتتساوق مع ذلك نخبة أوسلو. وهذا كلّه يساهم، أيضًا، في تشويش الوعي لدى تجمّعات الشعب الفلسطينيّ المختلفة، بأنّنا شعب واحد، ننتمي لتاريخ مشترك ولرواية واحدة.

خياران

إذًا، كيف يُعاد تعريف وبناء المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ في ظلّ هذه التحوّلات الخطيرة، سواء المتعلّقة بالمستوى الخطير الذي بلغه المشروع الكولونياليّ الصهيونيّ، أو المتعلّق بالوعي السياسيّ الفلسطينيّ.

ما تطرحه جمهرة الأكاديميّين والمثقّفين النقديّين خياران رئيسيّان:

الخيار الأوّل: التمسّك بمطلب الدولة الفلسطينيّة في الضفّة والقطاع، بسبب الإجماع الدوليّ والغربيّ (رسميًّا) على هذا الخيار، مشدّدًا على أن يشمل البرنامج حقّ عودة اللاجئين إلى ديارهم من دون مساومة، وكذلك حقّ الفلسطينيّين داخل الخطّ الأخضر، بالمساواة القوميّة والمدنيّة الكاملة، عبر تفكيك نظام التمييز العنصريّ، وهذا في الواقع يتوافق مع برنامج حركة المقاطعة BDS، باستثناء أنّها لا تذكر الدولة الفلسطينيّة حلًّا، إنّما تتحدّث عن إزالة الاحتلال والاستيطان.

أمّا على الصعيد العمليّ، فإنّ تبنّي هذا الخيار يتطلّب إعادة بناء مؤسّسات الحركة الوطنيّة، وفي مقدّمتها منظّمه التحرير، لتشمل كلّ فصائل العمل الوطنيّ، بالإضافة إلى حركتي ‘حماس‘ و’الجهاد الإسلاميّ‘، واستعادة استقلاليّتها من السلطة الفلسطينيّة، وأيضًا تغيير وظيفة السلطة، وحصرها في خدمة المواطن على مستوى الحياة اليوميّة، ووقف التنسيق الأمنيّ وعمليّه حراسة الاحتلال، وتبنّي منظّمة التحرير استراتيجيّة نضال موحّدة ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ. ويطرح أصحاب هذا التوجّه، في الوقت نفسه، أن تحتفظ قيادة الحركة الوطنيّة بخيارات أخرى، مثل خيار ‘الدولة الواحدة‘ المرفوض من قبل السلطة الفلسطينيّة على نحو مطلق.

دمغ البضائع الإسرائيليّة في الأسواق العالميّة استجابة للـ BDS

الخيار الثاني: تبنّي خيار ‘الدولة الديمقراطيّة الواحدة‘ القائمة على المواطنة المتساوية، أو ‘الدولة ثنائيّة القوميّة‘ القائمة على الاعتراف بوجود قوميّتين متساويتين داخل الدولة، وتستند نظريّة أصحاب هذه الخيار إلى مبدأ العدالة والمساواة، على أنقاض التقسيم العنصريّ والكولونياليّ.

ويُنظر إلى هذا الخيار على أنّه موحّد للفلسطينيّين، شعبًا وأرضًا، والذي بات يستلهم نموذج جنوب أفريقيا التحرّريّ الذي تتوّج بتفكيك نظام الأبارتهايد، وبالعيش المشترك على قاعدة المواطنة المتساوية.

وتزداد الأصوات، ولا سيّما في الدوائر الأكاديميّة الغربيّة، بالإضافة إلى أصوات عديدة داخل المجتمع الإسرائيليّ واليهوديّ الأميركيّ، الداعية إلى حلّ ‘الدولة الديمقراطيّة الواحدة‘. ويعلّل بعض هؤلاء هذا التأييد بأسباب براغماتيّة وأخرى أخلاقيّة. فيرون من الأسباب البراغماتيّة أنّ إسرائيل أفشلت ‘حلّ الدولتين‘ ولم يعد ممكنًا تقسيم البلاد، ولا مكان لدولة فلسطينيّة مستقلّة متّصلة. أمّا الأسباب الأخلاقيّة، فإنّ أكثريّة المنادين بـ ‘الدولة الواحدة‘ ينطلقون من مبدأ العدالة وحقّ تجمّعات الشعب الفلسطينيّ كافّة في تقرير المصير، إذ إنّ إبقاء نظام أبارتهايد في وطن مسلوب أمر غير أخلاقيّ ولا منصف، ولا يضمن العدالة والسلام الدائمين. كما يرى هؤلاء أنّ نموذج ‘الدولة الواحدة’ يطرح تحدّيًا أخلاقيًّا أمام الصهيونيّة، وأمام المجتمع العالميّ.

ما يزال هذا الطرح يواجه تحدّيات في كيفيّة تحويله إلى برنامج عمل، لكن هذا ليس سببًا لرفضه، بل دعوة للتفكير في كيفيّة نقله إلى الوعي العامّ وإلى الممارسة الجماهيريّة.

موقع ودور فلسطينيّي أراضي 48

وفي إطار الرؤيا لمشروع وطنيّ تحرّريّ شامل، الذي يتضمّن حقّ تقرير المصير لتجمّعات الشعب الفلسطينيّ كافّة، فإنّي أرى أنّ موقع ودور فلسطينيّي أراضي 48 في هذا المشروع يستحقّان مزيدًا من الاهتمام في الاجتهادات الفكريّة الجارية، وأن تُتناول تعقيدات وضعيّتهم تحت المواطنة الإسرائيليّة، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع تعبيراتهم السياسيّة وكأنّها كتلة متجانسة في التوجّهات والطروحات والرؤى.

من مواجهات يوم الغضب ضدّ برافر في حيفا (2013) | أكرم دراوشة

ثمّة التيّار الوطنيّ القوميّ ومعه أعداد كبيرة من الأكاديميّين والشباب، الذين أنشأوا وعيًا وطنيًّا فلسطينيًّا يتجاوز إطار المواطنة الإسرائيليّة الشكليّة، إلى تحدّي يهوديّة الدولة العبريّة وبنيتها الكولونياليّة.

لقد قدّمت مساهمة أوّليّة صدرت في كتيّب عام 2009، تحت عنوان ‘مأزق التسوية وآفاق الدولة الواحدة: دور فلسطينيّي الـ 48 في المشروع الوطنيّ الديمقراطيّ‘، حيث أطرح تصوّرًا لشكل هذه العلاقة. كما ظهرت في الآونة الأخيرة مساهمات جدّيّة صدرت عن مؤسّسات بحثيّة فلسطينيّة في الضفّة، وعن أكاديميّين فلسطينيّين من الــ 48. نقول ذلك لأنّ هذا الجزء من شعبنا الفلسطينيّ (في أراضي 48) بات، في وعي الكثيرين، ذا تجربة مهمّة في الصمود والمقاومة والثبات، والأهمّ في مقارعة الصهيونيّة ودعايتها الكاذبة في الغرب.

باختصار، لهذا الجزء من شعب فلسطين دور استراتيجيّ، حاليّ ومستقبليّ، في النضال من أجل التحرّر، والحرّيّة، والمواطنة الديمقراطيّة في فلسطين التاريخيّة.

من الفضاء الثالث إلى التيّار

ليست هذه المبادرات الفكريّة، وحتّى الشعبيّة، جهدًا صادرًا عن مركز واحد، أو مرجعيّة تنظيميّة أو مؤسّساتيّة واحدة، كما أنّ المجتهدين، من أكاديمييّن ومثقّفين وناشطين سياسيّين، ليسوا تيّارًا منظّمًا. إنّ التعاون واللقاءات المشتركة التي تحصل بين الحين والآخر، لم تتطوّر بعد إلى بنية بحثيّة، أو فكريّة، ومؤسّسيّة واحدة، وهذا ينطبق على مجموعات الأكاديميّين والمثقّفين أيضًا، الذين لم يطرحوا، حتّى الآن، آليّات لتطوير هذا الجهد وهذا الحراك إلى تيّار ثالث، يتّكئ على قواعد شعبيّة في المخيّمات، والمدن، والقرى، وقواعد طلّابيّة في الجامعات. وقد يسأل البعض: هل هذا دور هذه المؤسّسات البحثيّة، والأكاديميّين، والمثقّفين النقديّين، أي الانتقال من الفكر إلى الممارسة الجماهيريّة؟ أم دور الفصائل والجماعات المعارضة؟

أرى أنّ هذه المؤسّسات والمثقّفين يستطيعون، وهذا واجب، أن يؤدّوا دورًا أكبر وأكثر تأثيرًا في مجال تعميم الإنتاج الفكريّ، الذي مازال انتشاره محدودًا، ولا سيّما في القواعد الطلّابيّة، وبين كوادر الفصائل في الداخل والخارج، والأحزاب السياسيّة في أراضي 48.

‘سلسلة البهاء’: نشاط ثقافيّ طلّابيّ في جامعة الخليل (2016)

لكن، بالإضافة إلى القصور في الجانب الميدانيّ/ الجماهيريّ، أعتقد أنّ ثمّة حاجة للإضافة، وتعزيز عدد من الجوانب النظريّة والمبدئيّة، إلى ما يمكن أن يتحوّل إلى مشروع وطنيّ تحرّريّ في لحظة ما.

صيغة تحرّريّة مأمولة

إنّ صيغة المشروع التحرّريّ المأمولة المتوخّاة يجب أن تولي اهتمامًا جدّيًّا ومبدئيًّا بالتالي:

أوّلًا – الجانب التحرّريّ بمفهومه الشامل، وأقصد التأكيد على قيم العدالة، والمساواة، وحقوق الإنسان، ومناهضة العنصريّة، والاستبداد، والتمييز الطبقيّ والاجتماعيّ، وإبراز تلك القيم. إذ لا يتّسق، أخلاقيًّا، النضال من أجل تحرّر الشعب الفلسطينيّ من نظام الاستعمار الصهيونيّ، في حين تداس حقوق الإنسان، وحرّيّة التعبير، والمشاركة في صنع القرار، تحت سلطة أو سلطات فلسطينيّة، أو أيّ نظام سياسيّ فلسطينيّ، أو مع دعم الاستبداد في أيّ مكان آخر. من الصعب جذب التأييد العالميّ الواسع لقضيّتك حين لا تقدّم السلطة الفلسطينيّة صورة ديمقراطيّة وحضاريّة، أو حين تكون السلطة مرتعًا للفساد من دون محاسبة أو مساءلة، وهذا ينطبق، أيضًا، على أيّ حركة، أو حزب، أو جماعة تتبنّى قيم اليسار والديمقراطيّة.

كما أنّ طرح خيار ‘الدولة الديمقراطيّة الواحدة‘ يستوجب في مَنْ يحملها أن يكون ديمقراطيًّا فعلًا، ومذوّتًا للديمقراطيّة والحرّيّات الشخصيّة.

ثانيًا – البعد العربيّ القوميّ الديمقراطيّ، فتجتهد في إعادة صياغة العلاقة بين الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، بمشروعها المأمول، فتكون جزءًا من التيّار العربيّ القوميّ الذي يتبنّى النهوض بالوطن العربيّ، من خلال إسقاط الاستبداد وإقامة أنظمة ديمقراطيّة ووطنيّة تربط بين حرّيّة الوطن وحرّيّة المواطن.

إنّ انتصار الثورات المضادّة ليس نهاية المطاف، فكلّ الأسباب التي دفعت الشعوب العربيّة إلى التضحية بأرواحها ما زالت قائمة؛ الاستبداد، والرجعيّة، وغياب العدالة الاجتماعيّة، والتخلّف الاقتصاديّ والصناعيّ والتعليميّ، والفشل في تحرير فلسطين وتحقيق الاستقلال الوطنيّ، والارتهان للقوى الخارجيّة.

مناضلون عالميّون يبحرون من السويد إلى غزّة كسرًا للحصار (2015)

ثالثًا – العلاقة مع تيّارات التحرّر والحرّيّة في العالم. تكثيف العمل على توسيع حضور القضيّة الفلسطينيّة في أوساط الحركات اليساريّة، والاجتماعيّة، والديمقراطيّة العالميّة المناهضة للنظام الرأسماليّ المتوحّش الذي تقوده الإمبرياليّة الأميركيّة. ففي ضوء انضمام أوساط جديدة من المجتمع المدنيّ في العالم، وبخاصّة في الولايات المتحدّة الأميركيّة وأوروبّا، إلى حركة التضامن مع النضال الفلسطينيّ، في إطار حركة المقاطعة، BDS، مثلًا، وفي ضوء انتعاش هذه الحركات، والعودة إلى السياسة وإلى الحراك ضدّ حكوماتها، يصبح التواصل معها وتوطيد العلاقات الكفاحيّة واجبًا وطنيًّا وأخلاقيًّا.

يجب أن يكون هذا التواصل نابعًا، ليس من حاجاتنا بصفتنا فلسطينيّين فقط، بل لكون فلسطين رمزًا للنضال من أجل العدالة. وفي إطار هذا الفهم، من المفترض أن نعزّز التزامنا بالقيم الكونيّة، وبحقّ كلّ الشعوب والأفراد بنيل حقوقهم والعيش الكريم، عبر التنسيق الدائم مع هذه الأطر، والجماعات، والحركات التي تطالب بنظام عالميّ عادل.

هذه المبادئ والتوجّهات هي المكوّنات الأساسيّة لتيّار فلسطينيّ تحرّريّ، تيّار التحرّر والحرّيّة، وهي أيضًا مكوّنات الشخصيّة الفلسطينيّة التحرّريّة الحديثة، والتي تستطيع أن تُحدث تغييرًا سياسيًّا، واجتماعيًّا، وتقدّميًّا، وأخلاقيًّا في إطار الكفاح من أجل مجتمع آخر، وإنسان آخر متحرّر من نظام الأبارتهايد الكولونياليّ، ومن الاستبداد.