نحو حركة فلسطينية شعبية تتبنّى الدولة الواحدة/ عوض عبد الفتاح

نُشر في العربي الجديد

بإعلانه الاعتراف بمدينة القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، وجه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الضربة القاضية لوهم حل الدولتين، ولملهاة عملية السلام، ولكل الخرافات التي تمخضت عنها، مثل بناء التنمية ومؤسسات الدولة تحت الاحتلال. في المقابل، فتح هذا القرار الخطير، باب الفرص أمام شعب فلسطين ومناصري قضيته نحو خياراتٍ كفاحيةٍ وسياسيةٍ بديلة، فقد أدى التعلق بهذا الوهم، وبهذه الخرافات، والتورّط العبثي والطويل بمهزلة عملية السلام، من خلال الاعتماد على الإمبريالية الأميركية التي ترتبط عضويا بإسرائيل، إلى تغييب الفعل الثوري، وإلى إلحاق الضرر الهائل بثقافته وقيمه الأخلاقية، ومنطلقاته وأهدافه التحرّرية. والأخطر أنه أنتج شرائح اجتماعية متعففة عن النضال، وطبقة سياسية، ومعها جيش من الإعلاميين والمثقفين، مروّجي هذه الأيدولوجية الانهزامية.


جميع خيارات الفعل الثوري، المسلح والشعبي غير المسلح، وكذلك خيارات الحلول البديلة التي لم ينفكّ يطرحها كثيرون قوبلت بالرفض، بل أحيانا بالاستهزاء، سواء المتعلقة بالمقاومة، حتى بشكلها الشعبي المدني غير المسلح، أو تلك المتعلقة بإعادة توحيد الحركة الوطنية الفلسطينية وإصلاح مؤسساتها، من خلال منظمة التحرير الفلسطينية وشمولها القوى الوطنية الأخرى، حركتي حماس والجهاد الإسلامي تحديدا، أو المتعلقة بحل الدولة الفلسطينية الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية.


ومن المفروض أن يحرّر القرار الأميركي المشؤوم العقل الفلسطيني، وتحديدا عقل قيادته وعقل الطبقة المساندة لها، من قيود اتفاق أوسلو الكارثي والتزاماته، مثل سحب الاعتراف بإسرائيل، ودفن التنسيق الأمني مع المستعمر، والعودة إلى النضال المسنود والموجّه بوحدة تنظيمية وسياسية، وباستراتيجية ثورية متفق عليها، وبخطاب تحرّري أخلاقي، يستطيع أن يأسر خيال العالم، وخصوصا أنصار الحرية والديمقراطية، وليس فقط خيال شعبنا.


ومع أهمية القرارات التي اتخدها رئيس السلطة الفلسطينية، مثل مقاطعة الوساطة الأميركية، والبحث عن بدائل، فإنه حتى اللحظة لم يجر الحسم بشأن أي من الخيارات أو المهمات الملحة، وأولها استكمال الوحدة الوطنية الفلسطينية على أسس من الشراكة والحل الوطني. وثانيها الاستراتيجية الكفاحية، والتي تتطلب تشكيل قيادة وطنية موحدة سياسية وميدانية، مهمتها قيادة الشعب نحو انتفاضة شعبية شاملة ضد نظام الاستعمار العنصري. وثالثها مهمة استعادة وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده بمن فيهم فلسطينيو الأرض المحتلة عام 1948، عبر إيجاد موسسة وطنية جامعة، ذات طابع استشاري وتوجيهي، بحيث يتمكنون من المشاركة، من دون أن يجلب عليهم ردّا إسرائيليا يفوق طاقة تحملهم. ورابعها خيار الدولة الفلسطينية الديمقراطية الواحدة.
بخصوص المصالحة بين حركتي فتح وحماس، فالإجراءات العقابية التي فرضها الرئيس 

“من المفروض أن يحرّر القرار الأميركي المشؤوم العقل الفلسطيني من قيود اتفاق أوسلو الكارثي والتزاماته”

 محمود عباس ضد قطاع غزة ما زالت قائمة. والحراكات الشعبية المهمة والبطولية التي انطلقت بعد قرار ترامب لا تزال محدودة، ولا تبدو هناك نية في تشكيل قيادة ميدانية موحدة. ويجعل ذلك كله المواطن يشك باستعداد قيادة السلطة القطع مع مرحلة الماضي، ومع التجربة الفاشلة، ما يؤكد ما ذهب إليه النقاد إن بنية هذه القيادة وذهنيتها غير مؤهلة لإحداث نقلة استراتيجية في الفكر والتوجه، بل هي تفتقر لهذه المؤهلات. فكيف لمن قاد هذه التجربة الفاشلة، والمتوجة بتحويل السلطة الفلسطينية إلى وكيل للاحتلال، مع كل ما يترتب على ذلك من أضرار سياسية ووطنية وأخلاقية فادحة، كيف يمكن أن يواصل قيادة الشعب نحو بر الأمان في هذا المفترق الخطير.
وبخصوص الخيارات السياسية، الممارسة السياسية والحراك الدبلوماسي لا يزالان مرتبطين بحل الدولتين، وما صدر من تصريحات عن بعض رموز السلطة الوطنية، تحديدا أمين سر اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير صائب عريقات وعضو اللجنة المركزية في حركة فتح، نبيل شعث، تدعو إلى تبنّي الدولة الواحدة، يندرج صمن المناورات، وفِي إطار تكتيك التخويف الموجّه إلى قادة نظام الأبارتهايد وقادة الإدارة الأميركية الإمبريالية، وهو تكتيك يائس وبائس، لأنه لا يجوز أن يطرح باعتباره خيارا مرعبا، بل خيارا إنسانيا وديمقراطيا، جذّابا وساحرا، لما يحمله من توجه أخلاقي، يقوم على تحرير الناس من نظام عنيف ومتوحش، والعيش في كيان سياسي مدني وديمقراطي، يتساوى فيه الناس أمام القانون، وفِي ظل عدالة اجتماعية نسبية.
على أي حال، من شأن دينامية التطورات المتلاحقة، سواء التي تدور على الساحة الدولية، أو في فلسطين، أن تُنضج هذه الخيارات، وتستولد حوامل اجتماعية لها في خضم العودة التدريجية إلى المقاومة الشعبية، وإلى الخطاب التحرّري الذي استبدلته عملية السلام بخطابٍ دولاتي مشوّه ومضر.
دلّت التجارب الثورية والتحرّرية المنتصرة أن من أهم شروط الانتصار وضوح الهدف والرؤية، وتوفر استراتيجية نضالية يستطيع الشعب تحمل تبعاتها، وقياده تتمتع بثقة الناس. هذه الشروط هي التي تسهل على كل المجتمع الانخراط في المقاومة، خصوصا بأشكالها المدنية.
وبما أن دينامية الأحداث، والهبات العفوية، لا تتطور من تلقاء نفسها إلى استراتيجية عمل، ولا تقود إلى النصر، وتحتاج فورا إلى تدخل العامل الذاتي الواعي، فإن الساحة تدعو كل المنادين بإحداث النقلة النوعية في التوجه والأداء والخطاب أن يأخذوا زمام المبادرة، لأنه بات واجبا ملحا. ذلك أن التيارات القديمة ما زالت متردّدة وخائفة، على الرغم مما صدر عنها من قرارات تتسم بالتحدّي للولايات المتحدة. ومن المهات المطروحة تنظيم المجموعات والأفراد الذين يتبنون مشروع الدولة الواحدة وتحويلها إلى حركة شعبية واسعة ومؤثرة.

الدولة الديمقراطية في فلسطين التاريخية
بعد انفجار الانتفاضة الفلسطينية الثانية، في أواخر سبتمبر/ أيلول عام 2000، وقيام حكومة  

“من أهم شروط الانتصار وضوح الهدف والرؤية، وتوفر استراتيجية نضالية يستطيع الشعب تحمل تبعاتها، وقياده تتمتع بثقة الناس”

نظام الأبارتهايد الاستعماري، بقياده إرييل شارون، بعد عامين، باجتياح الأراضي التي كانت تسيطر عليه السلطة الفلسطينية، وفق خطة أوسلو، بدأت فكرة الدولة الديمقراطية في فلسطين التاريخية تعود إلى المسرح. كان ذلك امتدادا، أو بموازاة ذلك، لمبادرات تعمل وتدعو إلى الحفاظ على الثوابت الفلسطينية، ولطرح بدائل لاتفاق أوسلو.
ففي الوطن والشتات، قامت لجان حق العودة التي ترى أن “أوسلو” فرّط بحق العودة. وفِي عام 2004، انطلقت اللجنة الوطنية للمقاطعة بمبادرة المجتمع المدني. وفِي داخل الخط الأخضر، المنطقة المحتلة عام 1948، قمنا، مجموعة من النشطاء الوطنيين، بتأسيس لجنة المهجّرين عام 1992، للدفاع عن حق المهجّرين الداخليين بالعودة إلى قراهم. وبدأت اللجنة تنظم المسيرات الجماهيرية سنويا في اليوم الذي تحتفل به إسرائيل بما تسميه استقلالها، أي يوم نكبة تهجير شعبنا. وفيما يخص القدس والأقصى، باشرت الحركة الإسلامية بنشاطاتٍ تعزّز رابطة الناس بالمدينة وبأقصاها. ويتضمن هذا النشاط العودة إلى جذور القضية، وإلى استعادة الرابطة الوطنية، وكلنا جزء من الصراع.
على الصعيد السياسي والأيدولوجي، كان تأسيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، والذي تحول، في فترة قصيرة، إلى رأس حربة في مواجهة تبعات “أوسلو” الخطيرة على فلسطينيي 1948، الذين اعتبروا شاناً إسرائيليا داخليا، وبالتحديد في مواجهة البنية اليهودية الصهيونية لدولة لإسرائيل. وعلى الرغم من أن هذه المبادرات، أي لجنة المهجرين وحزب التجمع، لم تناد رسميا بالدولة الواحدة، إلا أنها تضمنت عناصر الدولة الواحدة. وكان قد ظهر، قبل ذلك بكثير، تنظيم وطني جريء، هو حركة أبناء البلد، حول شعار الدولة الديمقراطية العلمانية من البحر إلى النهر، غير أنه لم يستطع التحول إلى تنظيم جماهيري، وقد كان له دور محوري في تأسيس حزب التجمع مع الدكتور والمفكر العربي عزمي بشارة. وبعد فتره قصيرة، أي بعد أربعة أشهر، انسحب جزء من قيادة وأعضاء حركة أبناء البلد من “التجمع” على خلفية تنظيمية، وبقي نصف قيادتها المركزية، كاتب هذه السطور أحدهم، وغالبية رفاقها في الحزب الجديد وانخرطوا في نضالاته. أما المجموعه التي انسحبت، فقد قل تأثيرها، إذ تعرّضت لانقسامات، ولا تزال تعاني من العجز في تطوير التنظيم والتوسع، وهي لا تزال تحمل مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة.
وما ميز عودة فكرة الدولة الواحدة إلى المسرح، بعد الاجتياح الإسرائيلي الوحشي للأرض التي كان يُفترض، حسب وهم “أوسلو”، أن تقوم عليها نواة الدولة الفلسطينيه المستقلة، هو انضمام ثلة من الأكاديميين المرموقين، فلسطينيين ويهودٍ إسرائيليين، وكذلك يهود من جنسيات أميركية وبريطانية، إلى ترويج الفكرة، عبر الكتابة الموزونة والمشاركة في المؤتمرات التي باتت تعقد خصيصا للتداول في الفكرة، بل جرت محاولات لإقامة حركات شعبية جديدة ترفع الشعار، وسميت إحداها الحركة الشعبية للدولة الواحدة، ولكن هذه المجموعات بقيت صغيرة الحجم والتأثير، وقوبلت في المرحلة الأولى بالاستهزاء والسخرية من قبل قادة فريق “أوسلو”، بل حتى من أكاديميين ومثقفين مناهضين لهذه الاتفاقية. ولكن إسهام هذه الجماعات، والأكاديميين المستقلين، الفكري والثقافي، فاق الإسهام السياسي وقدرتهم التنظيمية. وقد يكون انضمام هؤلاء الأكاديميين، ومساهماتهم الفكرية، هو من العوامل المهمة التي ساهمت، في البدء، في إعادة الاعتبار لهذا الخيار، وتزايد الميل إلى تفهم طرحه للنقاش، حتى ممن لم يحسم أمره بعد في هذا الشأن.
لقد أفرزت هذه الجهود عشرات المواقع الإلكترونية، باللغتين الانكليزية والعربية، التي تشرح حيثيات هذا الخيار، وأفضليته على براديغما الفصل والتقسيم. كما صدرت عشرات الكتب، الأكاديمية والبحثية، ومئات الدراسات وآلاف المقالات في العقد الأخير، التي تعيد تعريف إسرائيل باعتبارها مشروعا كولونياليا وفصلا عنصريا، على نمط نظام الأبارتهايد الكولونيالي المهزوم في جنوب أفريقيا. وقد أنجز هذه الأبحاث والدراسات أكاديميون فلسطينيون، وإسرائيليون، ويهود من جنسيات مختلفة، موظّفين نظريات الاستعمار وما بعد الاستعمار، والاستعمار الداخلي، أدوات تحليل لفهم طبيعة الكيان الصهيوني وتشريحه، وتقديم التصوّرات المستقبلية التي تقوم على ضرورة تفكيك منظومة الاستعمار العنصري، وإحلال محلها منظومة تحرّرية ديمقراطية، تستند إلى القيم الكونية، كالمساواة والعدالة الاجتماعية.
ويقف في قلب هذه الجهود نشطاء في حركة المقاطعة (BDS) المنتشرين في فلسطين، وفِي دول غربية عديدة، يؤدون دورا فكريا وثقافيا مهما في مبادرات إعادة تأسيس خيار الدولة الواحدة، في إطار الجهود التي يقومون بها لفضح نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، وعزله، ونزع الشرعية عنه. نظام الفصل العنصري الكولونيالي غير شرعي، وليس له حق الوجود وفق قانون الأمم المتحدة الخاص بمكافحة الفصل العنصري والاستعمار، وكل أشكال التمييز على أساس عرقي أو قومي أو إثني أو ديني.

تأجيل البت في الاختلافات
حتى يستطيع أنصار الدولة الواحدة الخروج من دائرة العمل الضيق والتحول إلى حركة شعبية  

“ليس كل نشطاء لجنة المقاطعة من أنصار خيار الدولة الواحدة، بعضهم لا يزال يتمسّك بخيار الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة”

فاعلة ومؤثرة، في عملية صوغ التوجهات الكفاحية والسياسية للحركة الوطنية الفلسطينية، لا بد من توفر جملة من الشروط:
الأول، وحدة كل المجموعات والأفراد في إطار تنسيقي يشبه، من حيث آليات عمله، اللجنة الوطنية للمقاطعة الدولية لإسرائيل، وهو إطار، على الرغم من النقاش الجاري بشأن بعض توجهاته، حقّق نجاحاتٍ مبهرة، وهذا يؤكد إمكانية تحول جسم تنسيقي، إذا كان لديه وضوح رؤية، إلى لعب دور فاعل في الدفع باتجاه الهدف الذي يتبنّاه.
ليس كل نشطاء لجنة المقاطعة من أنصار خيار الدولة الواحدة، بعضهم لا يزال يتمسّك بخيار الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكن هذه اللجنة نجحت في إيجاد قاسم مشترك يُمكِّن الجميع من العمل تحت ثلاثة شعارات أساسية، وهي إنهاء الاحتلال في الضفة والقطاع، عودة اللاجئين، وتفكيك نظام التمييز العنصري داخل إسرائيل وتحقيق المساواة الكاملة للمواطنين العرب. هناك من يفهم هذه الشعارات على أنها تقود نظريا إلى تفكيك نظام الأبارتهيد الكولونيالي، وفتح الأفق أمام الدولة الواحدة، وهي في الواقع الشعارات نفسها التي كان طرحها حزب التجمع الوطني الديمقراطي، عند انطلاقه في أواسط التسعينات، والكاتب أحد مؤسسيه، وكان ولا يزال يتبنّى فكرة الدولة الواحدة، في ظروف ما بعد “أوسلو” التي أوجدت التيار الوطني القومي في مأزق صعب، أوجب، في حينه، استحداث هذه المعادلة الفكرية السياسية، المتمثلة بشعار دولة كل مواطنيها على أنقاض يهودية الدولة.
ربما لم تعد هذه الشعارات، أو المعادلة المتصادمة، وليس المتكيفة مع الصهيونية، كافية في الظروف المستبدة، لا بالنسبة لحركة المقاطعة (BDS)، ولا بالنسبة لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، بل باعتقادي باتت الحاجة تتطلب البدء في تبني رسميا الدولة الواحدة، حلا جذريا بديلا للتقسيم والفصل العنصري والاستعمار الذي يربض على كل فلسطين التاريخية.
لا تزال هذه المجموعات والأعداد المتزايدة من الأكاديميين والمثقفين والنشطاء غير قادرين على توحيد صفوفهم وجهودهم، في إطار تنسيقي موحد وواحد، مع أن هناك مؤتمرات أكاديمية، مهمة من حيث مستوى ما تقدمه على الصعيد النظري، تعقد بين حين وآخر، ولكن الجانب التنظيمي والعمل الجماهيري لا يحظيان بما يستحقانه، وهذا ما هو مطلوب الآن.
ثانيا، الاتفاق على إدارة الاختلاف، بخصوص مضمون الدولة، وترك النقاش بشأنه مفتوحا بموازاة العمل على إيجاد آليات العمل التنظيمي والجماهيري والإعلامي المناسبة. ليس بالضرورة حسم النقاش بخصوص المضمون، طالما الجميع يتفق على فكرة الدولة الديمقراطية، المساواة، والعدالة الاجتماعية. وهذه المضامين هي: دوله ثنائية القومية، دولة متعددة الثقافات، دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة الفردية والأغلبية البرلمانية، ودولة بمضمون اشتراكي. هناك من يطرح فكرة “دولتان في وطن واحد” وهذا خارج نقاش هذه المقالة.
يستطيع كل أنصار الدولة الواحدة أن ينشطوا تحت سقف فكري – سياسي واحد، وبوحي من رؤية ديمقراطية إنسانية مشتركة لفلسطين، بسكانها الأصليين، الباقين والمطرودين، ومن يسكن فيها. ففي جنوب أفريقيا، نشطت وعملت مئات التنظيمات والأطر الجماهيرية والنقابية والشبابية والطلابيه والأكاديمية، تحت سقف “ميثاق الحرية” الذي تبناه المؤتمر الوطني الأفريقي عام 1955، على الرغم من أن غالبية هذه الأطر التي توحدت في إطار الجبهة الديمقراطية الموحدة لم تكن امتدادا تنظيميا لحزب المؤتمر الذي كانت قياداته وكوادره تعمل من المنفى. وكان تشكيل هذه الجبهة، عام 1983 في الداخل بمثابة خشبة الخلاص لحزب الموتمر، وتمكّنت من خلال إيجاد التكامل القيادي مع قيادة المنفى من هزيمة نظام الأبارتهايد. لقد سادت هذه الجبهة، وكذلك حزب الموتمر، خلافات وصراعات شديدة، وكان هناك اختلافات شديدة بين هذه الأطر، تكتيكية وسياسية وشخصية، ودارت صراعات دموية أحيانا، ولكن قيادة الموتمر الوطني الأفريقي نجحت في إدارة الاختلاف والتنسيق، وصولا إلى إخضاع نظام الأبرتهايد، وإجراء أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ البلد.
طبعا ليس في مقدور مجموعات الدولة الواحدة، ولا مطلوب منها تشكيل جسم سياسي شامل لقيادة حركة التحرّر الفلسطينية، على شاكلة الموتمر الوطني الأفريقي. كان من المفروض أن يجري إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، وأن تشمل كل مركبات الحركة الوطنية، وتضطلع بدور حركة تحرّر وطني مقاتلة. ولكن كوننا ما زلنا نعيش حالة الانشقاق الكارثي، وفقدان أداة الثورة (منظمة التحرير) وكون القوتين الأساسيتين، حركتي فتح وحماس، تتحكمان بالقرار، تغدو الحاجة للمضي في العمل على تشكيل تيار ثالث أكثر إلحاحا. ليس الهدف إحلال هذا التيار محل هاتين الحركتين، بل استقطاب الباحثين عن بديلٍ للعمل في إطاره، ومن أجل دفع الحركتين إلى تعديل سياستهما، أو التأثير في قواعدهما لإحداث تغيير جذري وهيكلي في بنية قيادة فريق أوسلو. في نهاية المطاف، جميع هؤلاء يجب أن يكونوا مادة الحركة الوطنية والتيار التحرّري من أجل فلسطين حرّة.
ثالثا، العمل الجدي باتجاه المجتمع الإسرائيلي. هناك من يتوهم أنه من خلال الإقناع يمكن  

“ليس بالضرورة حسم النقاش بخصوص المضمون، طالما الجميع يتفق على فكرة الدولة الديمقراطية”

تغيير هذا المجتمع الذي تفاقم تطرّفه، وبات على عتبة مرحلة فاشية. من الخطأ المراهنة على الإقناع وحده، لأنه تبديد للاستراتيجيات الأخرى الفاعلة، أي النضال الشعبي الذي يجعله يدفع ثمن استعماره وعنصريته. لكن هذا لا يعني إهمال العمل في أوساطه، وبالتحديد في الأوساط التي تناهض الاحتلال والعنصرية، والتواصل مع مئات النشطاء، وفيهم أكاديميون ومثقفون يؤيدون حل الدولة الواحدة بمضامينها المختلفة. تستوجب الرؤية للعيش المشترك على أنقاض الاستعمار والفصل العنصري، أخلاقيا واستراتيجيا، أن يكون لأنصار الدولة الواحدة من الإسرائيليين موقع ودور في الحركة الشعبية المطلوبة للدفع باتجاه الدولة الواحدة. ليس صحيحا، من الناحية العملية، انتظار التغيير الحقيقي داخل المجتمع الإسرائيلي، إذ يمكن تحقيق الانتصار فقط من خلال اعتماد استراتيجية كفاحية جدية، وخطاب تحرّري إنساني من الحركة الوطنية الفلسطينية، ويمكن فتح الأفق نحو مستقبل أفضل.
أذكر ما قاله لي، في إحدى زياراتي جنوب أفريقيا، روف ميير، وكان المفاوض الرئيسي باسم نظام الأبارتهايد في مواجهة قيادة المؤتمر الوطني الأفريقي، إن المجتمع الأبيض المستوطن لم يكن أقل عنصريةً عندما تم التوصل إلى الحل الديمقراطي، وإلى نهاية نظام الفصل العنصري. كما أجاب على سؤال وجهته له، ما إذا كان توقع سقوط نظام الأبارتهايد بهذه السرعة، بعد اشتداد النضال الجماهيري طوال الثمانينات، قائلا: لا أبدا.
رابعا، إيلاء فلسطينيي ال 1948 اهتماما خاصا، لدورهم المنشود في إطار الدولة الواحدة، كجزء من دورهم المطلوب في المشروع الوطني الفلسطيني. ليس لسببٍ سوى أن موقعهم الجغرافي وتجربتهم السياسية تمنح المشروع قوة إضافية ومميزة. هم الجزء الذي يمارس، في إطار نشاطه السياسي، فكرة دولة المواطنة الديمقراطية، بمستويات مختلفة، من خلال احتكاكه المباشر مع الإسرائيليين. يظل هذا الأمر مهما، على الرغم من التشدّد المتزايد إزاء يهودية الدولة على حساب فكرة المواطنة التي يتحرّك على هامشها الأخذ بالانحسار. إن مواجهة النظام الإسرائيلي، أيديولوجيا وثقافيا وميدانيا، من خلال فكرة المواطنة المتساوية، شد أنظار كثيرين في الرأي العام العالمي إلى المبنى العنصري لإسرائيل. والآن، بدأ جزء لا بأس به من هذا الرأي ينظر إليها باعتبارها نظام أبارتهايد كولونيالي عنصري.
وكلمة أخيرة، هذا طريق صعب وطويل، ويحتاج مقاومة شعبية مدنية جريئة، ومبدعة، وتضحيات كبيرة. ولن يمر وقت طويل قبل أن يجد الجميع نفسه أمام واقع ميداني، يفرض عليهم الانتقال إلى مواجهٍ مع مجمل نظام الأبارتهايد الكولونيالي، وليس فقط في الضفة الغربية والقدس، عبر مشروع تحرّري ديمقراطي، فهل نتصرف منذ الآن، أم نواصل تضييع الوقت على الأوهام؟