نحو إعادة المعنى للمسألة الفلسطينية

جميل هلال

مهمة هذا المقال توضيح أن اللغة السياسية الفلسطينية الدارجة راهنا بين القوى السياسية الفلسطينية تفتقد إلى فهم موحد للمسألة الفلسطينية (وبالتالي للقضية الوطنية الفلسطينية). بل يمكن رصد مفهومين أساسين (وهنا مفهوم ثالث سأتطرق له بإيجاز). وتتمثل مهمة هذا المقال في كشف الفرضيات التي يستند عليها كل من المفهومين، وتداعياتها على مواقف القوى السياسية والفكرية وفي تحديد مركبات المأزق الوطني واستراتيجيات الانفكاك منه.

الفهم الأول الذي ظهر بعد حرب تشرين 1973 -وإن وجد في الموقف الفلسطيني الرافض لقرار التقسيم عام 1947 والخروج القسري من الأردن عام 1971 والتوتر بين المقاومة الفلسطينية والجيش اللبناني عام 1972 -محفزات أو مصوغات له ينطلق من القبول بتقسيم فلسطين جغرافيا إلى دولتين، ولذا يتبنى إقامة دولة فلسطينية على جزء من فلسطين. في البداية لم يحدد هذا التوجه حدود دولة فلسطين العتيدة مستندا إلى الشرعية الدولية التي تضمنها قرار التقسيم للعام 1947. لكن حرب حزيزان عام 1967 (واحتلال بقية فلسطين)، ومن ثم حرب العام 1973 وانتفاضة العام 1987 لفتت الانتباه لخصوصيات الأراضي التي احتلت عام 1967. لذا لم ترسم، في البداية، الدعوة لإقامة دولة فلسطينية على جزء من فلسطين التاريخية حدود هذه الدولة ولا اعترافا صريحا بإسرائيل وبحقها في الوجود. هذه العملية ترسمت لاحقا في اتفاق أوسلو عام 1993، وإن هيأ لها قرارات المجلس الوطني في العام 1988 والتحولات الإقليمية (اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وحروب الخليج) والمتغيرات الدولية (انهيار الاتحاد السوفيتي). الورقة المقترحة ستناقش مدلولات هذا الموقف على فهم المسألة الفلسطينية وانعكاساته على فهم المأزق الوطني الفلسطيني وسبل وإمكانية الخروج منه.

ينطلق الفهم الثاني من اعتبارات عدة أولها عدم القبول بمبدأ تقسيم فلسطين الذي فرض من مراكز قوى خارجية وعبر تعرّض فلسطين لاستعمار استعماري استيطاني مدعوم من إمبراطورية ذات نفوذ إمبريالي واسع وتسيطر على فلسطين ودول أخرى في المنطقة، ومن خلال ممارسة الحركة الصهيونية تطهيرا عرقيا لفلسطين وتأسيس دولة إسرائيل على 78% من مساحتها بالقوة وطرد نسبة عالية من سكانها الأصليين.

هناك اعتبارات أخرى تشجع الفهم الثاني، منها انكسار مسعى بناء دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على جزء من فلسطين (الضفة وغزة). وهو ما استهدفته قيادة منظمة التحرير من اتفاق أوسلو ومن اعترافها بحق إسرائيل في الوجود لكن الاتفاق فشل في وقف الاستعمار الاستيطاني بل نماه بإقراره بالرواية الصهيونية المسوغة لاستعمار واستيطان فلسطين وتطهيرها من سكانها الأصلين وتحويلهم إلى لاجئين وتجريدهم من حقوقهم الأساسية. ويرى هذا المفهوم أن ما قائم الآن على أرض فلسطين التاريخية هو دولة فصل عنصري (أبارتهايد)، وأن الصهيونية فشلت في حل المسألة اليهودية بل فاقمتها من ممارسة والتشريد والتمييز والتطهير العرقي ومن وضع شعب آخر (الشعب الفلسطيني) في “غيتوات”، ولأن نسبة عالية من اليهود في العالم تعيش خارج إسرائيل ومندمجة في مجتمعاتها، ولأن المجتمع الإسرائيلي مجتمع يتسم بانقسامات متنافرة (بهذا القدر أو ذاك) عاموديا وأفقيا، ولان الفلسطينيين سواء الذين يقيمون في وطنهم الأم (على أرض في فلسطين التاريخية)، وهم باتوا ليس أقل عددا من اليهود الإسرائيليين، يجمع غالبيتهم التمسك بحقوقهم وبهويتهم الفلسطينية العربية ويتطلعون إلى ممارسة حقهم في تقرير المصير والعودة و المساواة التامة. ويطرح هذا الفهم أن حل المسألة الفلسطينية (والمسألة اليهودية) حلا عادلا ومنصفا يستدعي إقامة دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية تضم الفلسطينيون (بما في ذلك الذين في الشتات) واليهود الإسرائيليون على قاعدة المساواة التامة في الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وعلى قاعدة تفكيك النظام الاستعماري الاستيطاني والتخلي عن الصهيونية باعتبارها أيديولوجية استعمارية عنصرية، شهدت تحولات هامة وبخاصة بعد العام 1967 حيث جرى “تنحٍ متدرج للمستعمرة كفكرة علمانية قومية مقابل هيمنة متصاعدة للمستعمرة الدينية، وصلت إلى ذروتها بإزاحة مركبات الدولة المدنية والمواطنة والديمقراطية الاستعمارية لمصلحة تلك الاستيطانية الدينية والهوية القبلية، مثلما تجلت في قانون القومية اليهودية مؤخرا، ثم في صفقة القرن” . وما يطرحه هذا الفهم يمثل مشروعا نضاليا يجمع بين للفلسطينيين واليهود الإسرائيليين وتدعمه القوى والمؤسسات الديمقراطية في العالم.

هناك فهم ثالث ينطلق من اعتبار فلسطين وقفا إسلاميا، لن يناقش هنا كونه يقع خارج سياق المسألة الفلسطينية لأنه يحول الإسلام إلى دين وقومية، وهو ما قامت به الصهيونية إزاء فهمها لليهودية. وينظر للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على أنه صراع عقائدي ديني لا سياسي-تحرري.

أولا، المسألة الفلسطينية وتوصيفها احتلالا للضفة والقطاع

ليس من الهين معرفة كيف تسلل هذا المفهوم إلى الوعي السياسي الفلسطيني وقد نجد تكويناته البدائية في مراجعة الموقف الفلسطيني الرافض لقرار التقسيم مقارنة بموقف الحركة الصهيونية التي وافقت وأسباب تكتيكية معتبرة ذلك يخدم هدف تأسيس دولتها على أرض فلسطين. لكن ينبغي البحث عن المحركات الفعلية لولادة فكرة دولة فلسطينية على جزء من فلسطين (بجوار إسرائيل)، ليس في قرار التقسيم (هذا جاء لتسويغ الفكرة ربما وليس لتوليدها)، نجدها في تجربة المقاومة الفلسطينية وإطارها التنظيمي –السياسي منظمة التحرير الاتي تولت تشكيل الحقل السياسي الفلسطيني بعد سيطرتها على المنظمة التي تشكلت بقرار عربي رسمي ولاعتبارات عربية دولاتية (من الدولة). وكما يعرف الجميع فقد تشكلت أطر وهيئات المنظمة خارج أرض فلسطين التي باتت كلها تحت الاحتلال بعد حرب حزيران من العام 1967. ولأن قيادة وأطر الحقل السياسي الفلسطيني بات تقيم في محيط دولاتي عربي، كان متوقعا أن يطرأ توترا بين حقل تشكله حركة تحرر وطني لها منطقها واعتباراتها ونشاطاتها التي تخدم أهدافها وبين وحقل تشكله دولة لها حدودها ومفهومها السيادي واعتباراتها الأمنية والاقتصادية وعلاقاتها الدولية وسياساتها التي تسيّر في خدمة نظام الحكم ومصالحه وأمنه.

وهذا في الواقع ما حصل، فقد دخل حقل منظمة التحرير كحقل يحركه ويقوده هدف التحرر الوطني في حالة من الصراع والتنافر مع نظم الحقول الدولاتية التي نشط فيها بتكويناته المختلفة (التنظيمية والسياسية والعسكرية والإعلامية واللوجستية)، وبخاصة حيث توفر للحقل قاعدة بشرية (مخيمات فلسطينية ووجود بشري داعم لهدف التحرر). هذا حدث في الأردن (في العامين 1970 و1971)، وفي لبنان (في ربيع 1973 حين جرت اشتباكات ضد المقاومة قادها الجيش اللبناني، ثم تفجر الحرب الأهلية قادها أحزاب اليمين اللبناني ضد الوجود الفلسطيني في لبنان عام 1975واستمرت حتى 1982) ومع النظام في سوريا (في العام 1976 وبعد العام 1982). كما ورأينا تعبيراته في دول أخرى، وبخاصة في مصر السادات حيث أعطى النظام الأولوية لمصالحه، وفق رؤيته وتوجهاته المحلية والإقليمية والدولية، وهو ما تجسد في اتفاق كامب ديفيد، الذي تجاهل منظمة التحرير مانحا أولوية لاتفاق سلام مع إسرائيل الدولة التي ترى في منظمة التحرير عدوا ترى أن عليها سحقه، وهو ما سعت له، بعد فترة قصيرة من اتفاقها مع مصر، في غزوها للبنان ومحاصرة مؤسسات وقادة ومقاومي المنظمة لما يقرب من ثلاثة أشهر في صيف عام 1982. وبعد خروجها من بيروت سعى قادة النظام في سوريا وبدعم من النظام الليبي، وتواطؤ من غيرهما احتواء المنظمة، أي تحويلها من وجود تحرري إلى مجرد مؤسسات وأجهزة تابعة. وعندا فشل الاحتواء تم اعتماد الإضعاف والحصار المالي والسياسي واللوجستي، بما فقي ذلك إدارة حرب ضد مخيمات اللاجئين الفلسطيني كما حدث في لبنان (علم 1985).

ما سبق يشير إلى أن الجغرافيا السياسية التي أحاطت بمنظمة التحرير منذ نشأتها كان لها دورا حاسما، في الضغط على المنظمة وتوجيهها نحو هدف التحول بأسرع ما يمكن إلى كيان دولاتي، وهو ما حدث. لقد ساهم في إسراع سير المنظمة باتجاه التحول إلى كيان دولة، حرب تشرين عام 1973 والحديث عن انساب إسراع من أراض احتلتها عام 1967، والتساؤل حول مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة السياسي، ومسؤولية منظمة التحرير عن هذا المستقبل. بتعبير آخر رفض عودتهما إلى الوضع الذي ساد قبل العام 1967 (أي عودة الضفة الغربية إلى الحكم الأردني، وغزة إلى الحكم المصري). من هنا برنامج ما سمي بالنقاط العشرة الذي تبناه (وإن دون إجماع) المجلس الوطني عام 1974 ودعوته لقيام سلطة وطنية “مقاتلة” على الأراضي الفلسطينية التي تتحرر. لكن تبني مشروع دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل وعلى أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة عجّل في بلورته إبعاد منظمة التحرير عن قواعدها في لبنان، والانتفاضة الشعبية في أواخر العام 1987 التي أبرزت انتقال مركز ثقل الفعل الوطني إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. وجاء إعلان الدولة الفلسطينية في المجلس الوطني في أواخر العام 1988 ليعلن قيام دولة فلسطينية على جزء من أرض فلسطين.

الجديد في اتفاق أوسلو ليس إعلان القبول بدولة على الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، ودون أن يقابله إعلان إسرائيل اعترافها بدولة فلسطينية ذات سيادة على هذه الأراضي. الجديد في الاتفاق هو إقرار منظمة التحرير رسميا بالرواية الصهيونية من خلال اعترافها بحق إسرائيل في الوجود على أرض فلسطين، مقابل مجرد قبول إسرائيل التفاوض مع منظمة التحرير حول مستقبل الأراضي المحتلة عام 1967 (دون الاعتراف بمكونات الشعب الفلسطيني). لقد تعاطت إسرائيل من السلطة الفلسطينية باعتبارها سلطة حكم ذاتي محدودة الصلاحيات وفق تحديات إسرائيل لهذه. لقد أغفل اتفاق أوسلو علاقات القوة بين الطرفين وتحكمها بصيرورة الاتفاق ومحصلته.

لقد ادخل اتفاق أوسلو تحوّلا جذريا على الرواية التاريخية الفلسطينية الرسمية. صحيح أن النكبة تبقى حدثا يجري إحياء ذكراه سنويا، لكن ليس كجزء من عملية الظلم التاريخي الذي لحق، وما زال، بالشعب الفلسطيني. الرواية الرسمية وفق خطاب السلطة الفلسطينية وخطاب منظمة التحرير (بما في ذلك مسمى دولة فلسطين كما اعترفت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة،)، المسألة الفلسطينية تخص احتلال إسرائيل لأراضي الضفة والقطاع، ويتم حلها إذا ما انسحبت إسرائيل من هذه الأرضي، واعترفت بدولة فلسطينية ذات سيادة، ويبقى تطبيقها لحق العودة وتطبيق قرار الأمم المتحدة 194 موضوع تفاوض بين الطرفين، ركما ورد في نص المبادرة العربية للعام 2002 (والذي وافقت عليه منظمة التحرير ولم توافق عليه إسرائيل). لذا باتت إسرائيل تعرّف بدولة الاحتلال (والمقصود بالاحتلال احتلال الأراضي الفلسطينية عام 19 67)، والاستيطان هو ما يجري من بناء مستعمرات لليهود الإسرائيليين في أراضي الضفة الغربية المحتلة عام 1967، وليس ما جرى ويجري في فلسطين الانتدابية قبل وبعد ذلك. لقد بات هناك روايتان، رواية تاريخية تسندها الذاكرة الجمعية والأحداث المسجلة والمصورة، ورواية رسمية (وشبه رسمية) كما في الخطاب الرسمي سواء للسلطة الفلسطينية أم المتداول رسميا عربيا وديبلوماسيا دوليا وفي وسائل الإعلام المهيمنة عالميا. وهناك بالإضافة الرواية الصهيونية كما ترويها وسلائل الإعلام الصهيونية والإسرائيلية ألرسمية والدولية المنحازة لها. والرواية الأخيرة تستند فيما تستند إلى الأساطير الدينية وغير الدينية.

الرواية الرسمية للسلطة الفلسطينية ما زالت رواية قابلة للتحدي والنقد لأكثر من سبب، منها أن التاريخ الفلسطيني المقاوم والمسجل والمروي ما زال حيا وفاعلا وما زالت الذاكرة الشعبية وافرة وغنية والحس الوطني متجذر. ومنها أن هذه الرواية تغيّب أو تتجاهل أو غامضة إزاء مكونات أساسية من الشعب الفلسطيني (اللاجئون وفلسطينيو الشتات، وفلسطينيو الأرض المحتلة عام 1948)، كما أن اتفاق أوسلو فشل فشلا مدويا في نقل السلطة الفلسطينية إلى دولة ذات سيادة وذات سيطرة تامة على الموارد والحدود والوثائق والتسميات، في حين واصلت إسرائيل تغيير الفضاء المكاني لفلسطين وتشويه وتحريف تاريخها وشيطنة شعبها ونضاله من أجل حريته وعدالة قضيته وقامت بفرض نظام فصل عنصري (أبارتهايد) على الفلسطينيين المقيمين على أرض وطنهم وإفقارهم وتنمية مشروعها الاستعماري الاستيطاني الاستثنائي.

ما ينبغي الانتباه له بالإضافة إلى ما دخل من تغيير على الحقل السياسي الفلسطيني وتفكيكه إلى حقول محلية معزولة جغرافيا وسياسيا عن بعضها البعض. هو تغيير تنامى وترسخ في اللغة المتداولة في السلطة بعد أن حوّلت هذه الحركة السياسية الفلسطينية من حركة تحرر إلى مشروع دولة قيد البناء على الجزء الذي احتل من فلسطين عالم 1967، بكل مؤسساتها ولغتها وبنائها الفكري وتراتبية العلاقات بين أفرادها، ومن تخاطب بين أفراد التنظيمات كأخوة ورفاق نضال إلى خطاب تراتبي على أسالس رئيس ومرؤوس في مؤسسات أجهزة أمنية وهيئات ذات سمات ووظائف دولاتية (من الدولة)، وسيادة خطاب وتسميات دولة ومشتقاتها دون حيازة أي من سمات الدولة الفعلية. لذا نجد أن أشد المتمسكين بهذا الهدف هم ممن استفادوا ومرشحون للاستفادة (من حيث تكوين رأسمال مادي، وسياسي واجتماعي، ومعنوي ورمزي) من قيام السلطة ومن تحولها إلى دولة وإن مقيدة بشروط دول الجوار. وساهم في هذا التغيير نمو، مع نمو مؤسسات وأجهزة وهيئات السلطة، طبقة وسطى واسعة نسبية، وبقاء الطبقة العائلة أسيرة مؤسسات صغيرة جدا، وجزء يعتمد على العمل في مشاريع إسرائيلية، ونمو طبقة أصحاب رؤوس أموال (مالية وعقارية وخدماتية بالأساس) موالية للسلطة تتجنب المواجهة مع إسرائيل.

لكن ما يستدعي بعض التأمل هو أن السلطة الفلسطينية رغم تكالبها لاكتساب سمات دولة سيادية ما زالت، من وجهة نظر إسرائيل الصهيونية تسعى لإزالة الاحتلال عن جزء من فلسطين، أي إنهاء سيطرتها العسكرية والاقتصادية والأمنية على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967. ولعل هذا ما يفسر، وإن جزئيا، سياسة النخب الإسرائيلية الحاكمة تجاه السلطة الفلسطينية وتقليص صلاحياتها الفعلية إلى صلاحيات بلدية بغض النظر عن التسميات التي تطلقها السلطة وغيرها ذاتها أو يطلقها الغير عليها.

في الواقع من يستمع لممثلي السلطة الفلسطينية وقادتها السياسيين وبعد أكثر من ربع قرن من اتفاق أوسلو لا بد من أن يلاحظ حالة الإنكار التي لا تقر بفشل اتفاق أوسلو في توليد دولة فلسطينية ذات سيادة على الضفة الغربية وقطاع غزة. وهي حالة إنكار ما زالت تصر أن القيام الدولة الفلسطينية على هذه الأراضي وعاصمتها القدس، هو الحل الوطني الممكن والمحبذ، ودعاة. حلول أخرى (الدولة الديمقراطية الواحدة) هم أصحاب أوهام ومغفلون (انظر على سبيل المثال مقال ناصر القدوة)، بدل من دعوتهم والقوى السياسية لتطوير رؤية موحدة واستراتيجية كفاحية تشرك كل مكونات الشعب الفلسطيني في النضال (طويل الأمد بكل تأكيد) من أجل قيام الدولة الواحدة على أرض فلسطين التاريخية وترفض منطق مطالبة الدولة الاستعمارية بالاعتراف بحقوق جزئية للشعب المستعمر والمحتل، الأمر الذي يمنح الشرعية لمنطق وسلوك المستعمر والمستوطن. والاعتراف بالدولة الاستعمارية الاستيطانية لا يزدها، على كما من تجربة الولايات المتحدة، وكندا وأستراليا، ونيوزيلاندا ومن التجربة مع إسرائيل، سوى تمسكا بالسيطرة.

ثانيا، المسألة الفلسطينية وحضور استعمار استيطاني مستمر

هناك منطلق آخر لفهم المسألة الفلسطينية بات يعود إلى الوعي بعد أن خبا بعد اتفاق أوسلو وما سبقه من أحداث ومتغيرات إقليمية ودولية. وهو وعي ينطلق بأن المسألة الفلسطينية هي وليدة حركة استعمارية استيطانية ولدت في بيئة أوروبية تعيش حركة مد استعماري واستيطاني وتمييز صارخ ضد أقليات أثنية ودينية، وبخاصة ضد الأقليات اليهودية. البعض في الأقليات اليهودية رأي أن الخلاص من العداء لليهود (العداء للسامية) يتم عبر إقامة دولة يهودية، ووفرت بعض نصوص الرواية التوراتية، واعتبارات مصلحية لمراكز قوى استعمارية أوروبية مسوغات لاعتبار فلسطين مكانا لإقامة الدولة الصهيونية، وهو الرأي الذي هيمن، مقابل رأي آخر (دعمه شخصيات فكرية يهودية معروفة) رأى أن مجابهة ظاهرة العداء للسامية واضطهاد اليهود وغيرهم يستدعي الصراع داخل المجتمعات الأوروبية لتحويلها لمجتمعات أكثر مساواة وعدالة.

انتهازية الحركة الصهيونية أملت أن تطرح نفسها منذ تأسيسها حليفا وخادما لمراكز القوى المسيطرة

عالميا، وهذا هو سياق تصريح أو وعد بلفور (عام 1917) ودعم حكومة بريطانيا (حكومة الدولة الاستعمارية الأكبر آنذاك) لقيام “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين التي كانت قبل الحرب العالمية الثانية تخضع للسلطة العثمانية. سكن فلسطين، حينها أقلية يهودية فلسطينية شكلت نحو 8% من مجموع السكان عام 1914 (حسب تقديرات الدولة العثمانية). تصريح بلفور اشترط ألا ينتقص قيام وطن قومي لليهود في فلسطين من “الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر”. التصريح يعتبر أن هناك شعب يهودي (وليس طائفة أو طوائف يهودية)، في حين لا يعترف بوجود شعب فلسطيني بل يصفه بمجوعة من “الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين”. هذا التوصيف خدم جيدا سياسة داعمة للاستيطان الاستعماري الصهيوني في فلسطين، وأنتجت لاحقا سياسة تطهير عرقي (وهي جريمة ضد الإنسانية حسب القانون الدولي) تجاه سكانها الأصليين وسياسة مشجعة لهجرة مستوطنين يهود من بلدان مختلفة.

ما يعنيني هنا ليس تفاصيل تداعيات السياسة الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين بل تأكيد حقيقة كونها موّلد المسألة الفلسطينية ولمأساة الشعب الفلسطيني، كما تبقى، أو هكذا ينبغي، الموجه الرئيسي لنضالاته من أجل الحرية والعدالة. في هذا السياق لا بد من تأكيد أن إسرائيل واصلت بعد حزيران 1967 ذات السياسة التي اعتمدته قبل ذلك التاريخ، وهو ما استمرت في انتهاجه بعد اتفاق أوسلو، بل استفادت من التحول الذي أحدثه اتفاق أوسلو في الحال الفلسطيني لتصعد من سياسة القمع وتشويه الرواية التاريخية الفلسطينية وتغيير طوبوغرافيا فلسطين وتزييف تاريخ شعبها.

نحو فهم أعمق لمأزق إسرائيل

بتكثيف شديد يتمثل المأزق الفلسطيني في تفكك الحقل السياسي الفلسطيني وحركته الوطنية، وغياب مؤسسات وطنية موحدة افتقدت الحركة السياسية الفلسطينية لرؤية واستراتيجية جامعة لمواجهة نظام استعماري استيطاني يفرض الفصل العنصري (الأبارتهايد) على فلسطين التاريخية، واللجوء والاستلاب على معظم الفلسطينيين خارجها. والخروج يتمثل في إعادة يناء الحقل السياسي الفلسطيني على أسس تمثيلية ديمقراطية جامعة تشترك وتمتل كل مكونات الشعب الفلسطيني.

وفي إعادة بناء الحركة السياسية الفلسطينية (حقل سياسي وطني جديد ومنظمة تحرير جديدة) على ذات برنامج تحرري كفاحي، يجدر الانتباه إلى أن إسرائيل كنظام استعماري استيطاني تواجه مأزقا تاريخي لأكثر من اعتبار: أولها أنها فشلت، بعد أكثر من قرن من الاستعمار الاستيطاني بدعم من أقوى مركزين إمبراطوريين في العالم من تطهير فلسطين من غالبية سكانها الفلسطينيين، حيث بات نصف سكانها (على الأقل) هم فلسطينيون يقيمون على أرض وطنهم في فلسطين التاريخية. الاعتبار الثاني، تكمن في حيوية الوطنية الفلسطينية التي يتمتع بها الفلسطينيون داخل فلسطين وخارجها (أي بين اللاجئين والجاليات الفلسطينية)، وغالبية هؤلاء، رغم مواقف نخب سياسية وغير سياسية فلسطينية المتهالك على أقصى ما تسعى له هو دولة في الضفة والقطاع (مع “تبادل أراضي”!)، متمسكون بحقوقهم السياسية التاريخية والراهنة، وبهويتهم الوطنية وبحقهم في العودة. والاعتبار الثالث يعود لحقيقة أن معظم يهود الولايات المتحدة وأوروبا باتوا مندمجين في مجتمعاتهم ولا يرغبون في الهجرة لإسرائيل، وبتنا نجد يهودا إسرائيليين، لأسباب سياسية، يرغبون في الهجرة لخارجها، كما تزداد لانتقادات لإسرائيل وما ترمز إليه بين المثقفين اليهود، وتحديدا في الولايات المتحدة. والاعتبار الرابع ربما بتمثل فيما يشهده الحقل السياسي الإسرائيلي من تعدد أشكال الاستقطاب على أسس أثنية ودينية وقومية وطبقية، والتنافس الفئوي على المواقع الوزارية وما يشهده الحقل في العقدين الآخرين من تحولات يمينية رجعية وعنصرية تخيف العلمانيين والليبراليين قبل غيرهم. الجمهور العلماني في إسرائيل يشعر بأن هناك تسلط ديني نابع يبرز من مساعي سن قوانين دينية تغيير من العلاقة بين الدين والدولة، وهو مسعى يريد تثبيت صورة إسرائيل كدولة يهودية خالصة، تحافظ على التراث الديني للشعب اليهودي، وإن بدت شكلا دولة علمانية حديثة. وترى غالبية من اليهود العلمانيين بأن المبادئ الديمقراطية يجب أن تنال الأولوية على الشريعة الدينية، في حين ترى غالبية اليهود المتدينين بأنه يجب إعطاء الأولوية للشريعة الدينية، وتختلف هذه المجموعات بشكل أعمق فيما بينها حول تعريف الهوية اليهودية. والاعتبار الخامس لا بد من التذكير بأن نظام الفصل العنصري الذي شرعه قانون القومية الإسرائيلي المقر من الكنسيت في العام 2018 مرفوض بقوة من الغالبية الساحقة من الفلسطينيين. لأن القانون يحدد دولة إسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي، والبيت القومي لليهود، وأن حق تقرير المصير هو حصري للشعب اليهودي، كما ويؤكد على حق اليهود في العالم في الهجرة إلى إسرائيل والحصول على مواطنتها. أنه قانون يمنح شرعية قانونية للتمييز العنصري. والفلسطينيون كغيرهم من شعوب العالم يريدون دحر هذا النظام والعيش بحرية ومساواة وعدالة. أنهم لا يطلبون بمجرد التساوي في الحقوق مع المستوطنين المستعمرين لأن هذا يمنح المستوطنين شرعية وجود، بل يطالبون بهزيمة نظام الاستعمار الاستيطاني ومؤسساته وعقليته. كما أن هذا النظام لا يمكن أن يوفر حلا مشرفا للإسرائيليين اليهود لأنه لنظام قائم على استعباد وقهر واحتلال وتهجير شعب آخر ومنعه من إحقاق حقوقه الأساسية، واستمرار هذا النظام سيوّلد عاجلا وليس آجلا نظاما استبداديا فاشيا لا يحترم حريات وحقوق مواطنية اليهود وهو بات يوفر البيئة الملائمة لتنامي الحركات الأصولية الدينية والقومية اليمينية المتزمتة. ليس المطلوب من الشعب الفلسطيني أو لأي من مكوناته المطالبة بحقوق من المستعمر. المسألة الفلسطينية ليست مجرد استثناء شعب من حقوقه، بل هي، بالأساس، سلب شعب لأرضه وحقوقه وتهجيره وفرض التمييز ضده من قبل مستعمِر استهدف، وما يزال، الاستيلاء على الأرض وتصفيتها من سكانها.

بات من الهيّن الآن -بعد أكثر من سبعة وعشرين عاما من اتفاق أوسلو وما شهدتها هذه السنوات من تحولات وأحداث القول بأن الاتفاقات وما تبعه من مفاوضات ثنائية ومن تدخلات وتوجيهات أميركية -القول إن إسرائيل استخدمت الاتفاق كغطاء لمواصلة مشروعها مكثفة الاستيطاني وتكريس سيطرتها على الحركة والموارد الطبيعية وتتبيع الاقتصاد الفلسطيني وتوليد اعتماد مؤسسات السلطة الفلسطينية على التحويلات الخارجية، بما في تحويلات “المقاصة”. لقد فشل مشروع بناء دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود الأرض المحتلة عام 1967، ولأن المشروع تم دون مشاركة مختلف مؤسسات المجتمع السياسي والمدني، وبتغييب مكونات أساسية من الشعب الفلسطيني، ومن خلال المجتمع الذي يتحول إلى متفرج على هامش الفعل الوطني النضالي. فالمقاومة كفعل متعدد الأشكال والأهداف والنتائج، كما أوردتها الانتفاضة الأولى، قبل تدخل الأطر القيادية برويتها الخاصة لما ينبغي أن تسير عليه المسيرة النضالية في الداخل، بما أثر سلبا على حجم وسعة المشاركة في العملية التحررية التي ارتسمت من خلال دور وحراكات اللجان الشعبية والمختصة، ولما سببه تضييق على تنوع وتعدد أشكال المشاركة لفئات وشرائح مختلفة من الفلسطينيين داخل فلسطين التاريخية وخارجها.

شروط إعادة الاعتبار للمسألة الفلسطينية

ينطلق هذا المقال من رؤية حاجة ملحة لطرح رؤية للمسألة الفلسطينية تؤكد على حقوق مكونات الشعب الفلسطيني التاريخية والراهنة، بما فيها حق العودة كاملا (كونه المعيار والمؤشر الواضح على كون النكبة الفلسطينية ما تزال مستمرة)، ودحر الاحتلال والاستيطان والحصار العنصريين على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 ويزيل التمييز القومي والاثني عن الفلسطينيين الذي بقوا على ارض فلسطين التي احتُلت عام 1948. هذه الرؤية تمنح أولوية للحفاظ على وحدة أرض فلسطين التاريخية ولتأمين العدالة لكل مكونات الشعب الفلسطيني التي تشكلت بعد نكبة العام 1948، وتطرح حلا يمنح اليهود الإسرائيليين حق المواطنة في دولة ديمقراطية واحدة بالتساوي مع الفلسطينيين.

لا ينبغي أن يبقى المشروع الوطني الفلسطيني في حيازة الشعب الفلسطيني (بمكوناته دخل فلسطين التاريخية وخارجها) فقط، بل ينبغي أن يوجه لليهود الإسرائيليين كمشروع يطرح عليهم البقاء في فلسطين الموحدة والديمقراطية والعلمانية شرط الالتزام التام بقواعد الديمقراطية السياسية وقيم وسلوك المساواة والعدالة بما يستدعيه هذا من نبذ واضح للصهيونية كأيديولوجية استعمارية استيطانية عنصرية وإقرار بواقع إسرائيل كدولة ابارتهايد. كما أنه مشروع يستحق العمل كي يلقى دعم وتضامن القوى السياسية والمدنية والثقافية في العالم التي تحترم وتعلي قيم الحرية والمساواة والعدالة بما فيهم اليهود غير الإسرائيليين. هذا يعني رفع شعار “رفع الاحتلال والاستيطان والتمييز والتهجير عن الشعب الفلسطيني أمر مهم”، كما أن “حياة السود أمر مهم” و”التحرر من أنظمة الاستعباد والديكتاتورية والتمييز” أمر مهم.

مفيد هنا الإشارة إلى رأي أبراهام بورغ (شغل منصبي رئيس الوكالة اليهودية ورئيس الكنيست الإسرائيلي سابقًا) الذي لاحظ تزايد نسبة اليهود المتزوجين من غير اليهود (خارج إسرائيل) باستمرار مما يشير، وفق رأيه، إلى أن مشكلة اليهود تتركز في معظمها في إسرائيل في حين أنها محلولة تقريبًا في الغرب بصورة عامة. ويطرح بورغ مفارقة غريبة مؤداها أنه وخلافًا ليهود العالم الغربي المندمجين تمامًا كأفراد في النسيج الدستوري العالمي، والمستوعب في الغرب، فإن إسرائيل اليهودية تعيش في مفارقة مثيرة فالعلاقات بين اليهود وغير اليهود قد حلت بصورة تامة في الغرب في حين ما زالت مكرسة بقوة في إسرائيل، وخلاصة المفارقة التي يقدمها بورغ أن اليهود في خارج إسرائيل يعيشون في أوضاع جيدة وانفتاح أما في إسرائيل فيعيشون حياة “الجيتو” (ghetto) والعداء. ويضيف بورغ “حسب رأيي أننا سائرون في اتجاه انشقاق داخل الشعب اليهودي، ويجوز أننا في خضم الانشقاق، ويجوز أن الانشقاق حصل فعلاً من غير أن نشعر به، وعما قليل في جيلنا أو في جيل أولادنا وأحفادنا نجد أنفسنا في وضع انشقاق طبيعي يكون هناك شعب يهودي أ، وشعب يهودي ب “.

الدعوة إلى إزالة نظام التمييز العنصري (الأبارتهايد) وصفة الصهيونية من إسرائيل كشرط سلام طرحها أكثر من مفكر إسرائيلي، منهم إيلان بابيه، والمؤرخ شلومو ساند الذي يرى أن الحل السياسي الوحيد للصراع مع الفلسطينيين يتمثل في إزالة الدولة اليهودية. وترى جوديت بتلر أن مشروع التعايش المشترك بين الفلسطينيين والإسرائيليين اليهود لا يمكن أن يبدأ إلا مع تفكيك الصهيونية السياسية.

مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة طرح فلسطينيا في سياقات سياسية مختلفة، فقد طرح في كتاب صدر في العام 1919 من قبل مجموعة من المثقفين الفلسطينيين في مقاربة للنهوض بفلسطين في جوانب عدة لمواجهة مشروع الاستيطان الصهيوني. كما رود في مشروع لحركة فتح كتبه ونشره د. نبيل شعث في العام 1971، جاء في مقدمته:

“منذ سنتين تكلم مندوب فتح إلى مؤتمر القاهرة لنصرة الشعوب العربية فأعلن باسم الثورة الفلسطينية “نحن نقاتل اليوم في سبيل إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية يعيش فيها الفلسطينيون بكل طوائفهم…مسلمين ومسيحيين ويهوداً في مجتمع ديمقراطي تقدمي، ويمارسون عباداتهم وأعمالهم مثلما يتمتعون بحقوق متساوية” وأردف البيان قائلاً “إن ثورتنا الفلسطينية لتفتح قلبها وفكرها لكل بني الإنسان الذين يريدون أن يعيشوا في المجتمع الفلسطيني الحر الديمقراطي وأن يناضلوا في سبيله بصرف النظر عن اللون أو الدين أو العرق”. ويضيف المقال؛ “وتبع هذا البيان بيان أدلت به الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين وآخر أدلت به الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعدد آخر من البيانات أدلت به فتح. وكان بيان القاهرة هذا أول إعلان صريح كامل عن مفهوم حركة المقاومة الجديد لفلسطين الغد. لكن هذا المفهوم لم يكن بالتأكيد رؤياً جديدة تماما فقد كان الفلسطينيون منذ الثلاثينات من هذا القرن يأملون في إقامة دولة فلسطينية موحدة ديمقراطية متعددة الأجناس تضمهم والمستوطنين اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين. وقد ورد ذلك في الشهادة المقدمة إلى لجنة بيل عام 1937 وكررته وفود رسمية إلى المؤتمرات.”

قدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية في منتصف العام 2020 بنحو 6.7 مليون في حين قدر مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل عدد اليهود الإسرائيليين في منتصف العام 2020 بنحو 6.8 مليون، أي أن عدد اليهود الإسرائيليين يتساوى في الواقع مع عدد الفلسطينيين المقيمين على أرض وطنهم. لكن ربما الأهم من هذا، هو أن الروح الوطنية لدى فلسطينيي الشتات تتمتع بحيوية عالية، وهذا هو عنوان مأزق المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني. والمخرج من هذا المأزق الاستراتيجي لن يكون في إبادة الشعب الفلسطيني، إذ لم يعد هذا ممكنا، بل في الاعتراف بحقه في وطنه والإفساح في المجال لقيام دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية يتعايش فيها الفلسطينيون (بما فيهم من يعود من فلسطيني الخارج) واليهود الإسرائيليين على أسس ديمقراطية ومساواتية تامة. هذه هي المساومة التاريخية التي عل ى الحركة السياسية الفلسطينية طرحها كحل وطني وكمخرج لمأزق دولة إسرائيل التاريخي. وهي مساومة يفترض أن تطرح للنقاش الشعبي الواسع والمعق في كل تجمعات الشعب الفلسطيني.

لعل ما هو مطروح هنا يستدعي طرح المشروع لمناقشة معمقة ومستفيضة من قبل مكونات الشعب الفلسطيني لأمرين؛ الأول، هل بات اليهود الإسرائيليون (وليس اليهود كجماعة دينية) باتوا يشكلون شعبا له سماته الثقافية، والثاني هل لدى كل من الطرفين (الفلسطيني واليهودي الإسرائيلي) الاستعداد للدول في “تسوية تاريخية” تتمثل في العيش المشترك في دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية تفتح أبوابها بدون قيود لعودة اللاجئين الفلسطينيين وخلفهم لفلسطين واستعادتهم لممتلكاتهم أو تعويضهم عنها وعن استخدامها، إضافة لتعويض الفلسطينيين العمال عن استغلالهم خلال فترة عمل مئات الآلاف من العمال الفلسطينيين على مدار عدة عقود .

دون دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية تضع الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين على قدم المساواة التامة في الحقوق والواجبات لن يكون هناك أبدا حل للصراع وسوف يستمر لأمد طويل. الفلسطينيون لن يستكينوا للوضع الراهن أو لواقع لا يتيح العودة لاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الأصلي. الحركة الصهيونية، فشلت خلافا لما حدث، في مجتمعات استعمارية استيطانية أخرى من إبادة السكان الأصليين أو تحويلهم إلى أقلية صغيرة مهمشة، أو كي وعيهم ليقبلوا بالواقع الاستعماري العنصري وبالتهجير والتمييز العنصري. كما فشلت في معالجة حالة الانقسام (القومي والاثني والديني والطبقي والأيديولوجي) التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي.

وحتى يستطيع الشعب الفلسطيني من طرح رؤية واضحة لمشروعه الوطني التحرري الجامع لا بد من بلورة حركته الوطنية الجامعة من جديد بعد أـن تفككت وفقدت الرؤية والمؤسسات الموحدة الجامعة التي تدرك تماما أن لا حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بدون هزيمة النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري وتفكيك بنيانه، وتعي أن تحقيق ذلك قد يمتد لأجيال، وبأن الأولوية في النضال التحرري يجب أن ترتكز على منهج إدارته بإيلاء الأهمية القصوى لبناء الذات على صعيد كل تجمع فلسطيني وتعزيز مقومات الصمود داخل الوطن وفي الشتات، بكل ما يعنيه ذلك من للانتباه لشروط كل منها في تحديد الأولويات واختيار المناهج النضالية القادرة على حشد الإمكانات الذاتية وتوظيف الظروف الموضوعية دون تغليب مصلحة مكون على مصالح المكونات الأخرى واعتبار نجاح مكون في تحقيق الأهداف تخدم حقوق ومصالح ذلك التجمع رصيد وطني يصب في صالح نضال التجمعات أو المكونات الأخرى. المدنية والمساواة لفلسطينيي 1948 هدفا وطنيا يستحق التفهم والدعم والمؤازرة من كافة المكونات الفلسطينية الأخرى. بتعبير أخر دحر الاحتلال والاستيطان عن الضفة الغربية وإنهاء الحصار عن قطاع غزة هو أحد أهداف النضال الوطني الفلسطيني، كما هو هدف إزالة التمييز ونظام الأبارتهايد (هو يعرّف كجريمة ضد الإنسانية في القانون الدولي) عن الشعب الفلسطيني المقيم في فلسطين سواء ما احتل منها عام 1948 أو عالم 1967، هدفا مشروعا يستدعي الدعم والإسناد الوطنيين (ومن القوى المؤيدة للعدالة والمساواة في العالم) ويصبح ترسيخ حق الشعب الفلسطيني في المنافي والشتات للعودة هدفا وطنيا يستوجب الدعم والمساندة من مكونات الشعب الفلسطيني الأخرى ومن قوى العالم المساندة للحرية والعدالة. أما أشكال النضال فتحددها ظروف كل تجتمع وقرارات قياداته المحلية المتناغمة مع الاستراتيجية الوطنية العامة.

لا بد من الخروج من الواقع الفلسطيني الراهن حيث تهيمن نخب سياسية محلية تتنافس فيما بينها على منافع فئوية جدا وحيث تراجعت النضال التحرري الوطني وقيم المساواة والروح التكافلية والتطوعية وذهنية العمل الجماعي، لصالح السعي للمصلحة الفردية ولتنمية ذهنية “الموظف” بديلا عن تقمص النفس النضالي. وهنا لا بد من استدعاء الثقافة التحررية لتشديد حراستها على الرواية التاريخية الفلسطينية في مقارعة الرواية الصهيونية والاستعداد لتقديم تنازلات مبدئية وجوهرية لها (كما جرى عند الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود)، وكما جرى عند إظهار الاستعداد للتبادل أرض في الضفة الغربية (أي مستوطنات صهيونية) بأرض في إسرائيل (أي أراض فلسطينية محتلة منذ العام 1948). لقد هيمنت في الثقافة الفلسطينية قيم ديمقراطية قبل النكبة ولفترة عقود بعدها، وما زال الحقل يحتفظ بتيار ديمقراطي تقدمي تجسدت في الانتفاضة الأولى وإعلان الاستقلال. التراجع جرى مع بروز اتجاهات يمينية وأصولية سلفية اقتحمت الحقل السياسي الفلسطيني ودخلت، بعد تشكل السلطة الفلسطينية إلى الحقل الثقافي الفلسطيني عبر منهاج التعليم الديني الرسمي المتمثل في كتاب التربية الإسلامية المقر في مدارس السلطة بما يمثله من رؤية وتوجهات السلفيين والإخوان المسلمين وبما يتناقض لامع قيم الحرية والمساواة والعدالة لصالح تقديس الجهل والخرافة.

رموز الثقافة الفلسطينية الأبرز سواء في الشعر أو الرواية والقصة أو الفن التشكيلي والغناء والمسرح أو في البحث التاريخي العلمي وفي الفلسفة والفكر أوفي السينما، كانت وما زالت صاحبة توجه ديمقراطي علماني، أي تتبنى فصل الحقل الديني عن الحقل السياسي وحملت مبكرا توجهات ديمقراطية ببعدها القيمي. وهذا يسري على الحركة الوطنية الفلسطينية (كأحزاب وتنظيمات وكقيادات وطنية) التي حرصت منذ العشرينات من القرن الماضي على إبراز تكوينها السياسي الوطني بتعبيراتها عدة شملت أن يكون في صفوف الحركة القيادية الأولى فلسطينيون مسيحيون في مواجهة الحركة الصهيونية التي تعلي الانتماء الديني. والواقع أن منظمة التحرير حافظت على طابعها العلماني رغم ما دخل على العالم والمنظمة من تشوّهات على صعيد العلاقة بين الشأن الديني والشأن السياسي، واستخدام الدين في خدمة السياسة وللتغطية على تفرد وفساد النخب الحاكمة وفي الترويج للدجل والجهل.

إن تحرر الحقل الثقافي النسبي (قياسا بالحقل السياسي) من ديكتاتورية الجغرافيا السياسية ومن قوانين السوق ومن موازين القوى العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية التي تكون حاضرة يؤهله للعب دور مهم في حراسة الرواية التاريخية الفلسطينية بعد تفكك الحقل السياسي الفلسطيني وتراجع دوره الوطني الجمعي. وهنالك ما يشير إلى ذلك، فقد شهد العقدان الأخيران نشاطا مميزا في مجالات الأدب والفن والسينما والمسرح والغناء والموسيقى والفكر وفي عدد الجامعات ومراكز البحث والتفكير والدراسات الاستراتيجية في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 كما في الأردن ولبنان وأماكن أبعد من ذلك (كمؤسسة الدراسات الفلسطينية، ومدى الكرمل، ومركز مسارات، ومدار والشبكة، ومواطن وغير ذلك). ولعل صعود حيوية الحقل الثقافي خلال العقدين الأخيرين مصدره تنامي إدراك أن نكبة الشعب الفلسطينية (وشعوب عربية باتت تعيش نكبات متواصلة) مستمرة وتطال، بشكل أو بآخر، مكونات الشعب الفلسطيني كافة، وأنها انكشاف تجمعات الشعب الفلسطيني تفاقم مع تغييب حضور مؤسسات منظمة التحرير وتنظيماتها السياسية كمؤسسات وتنظيمات للكل الفلسطيني، ومع اتضاح عمق المأزق الذي توّلد عن اتفاق أوسلو، ووهم الدولة المستقلة على الضفة والقطاع الذي سوغ الاتفاق، وتنامي الوعي، وبخاصة بين الشباب، بالحاجة لتجديد منظمة التحرير الفلسطينية كبنية ودور للكل الفلسطيني . بتعبير آخر مطلوب إعادة تشكيل حقل وطني (بالمعنى الجامع) جديد يمثل كل مكونات الشعب الفلسطيني على أسس ديمقراطية جامعة دون تجاهل خصوصيات كل مكون واحتياجاته.

خاتمة

دون مشروع نضالي تحرري جامع للكل الفلسطيني، ووسائل نضالية مدروسة وفق إمكانيات الكل الفلسطيني وإمكانيات وشروط كل مكون فلسطيني، ودون بناء علاقات حميمة ومستدامة مع القوى المناهضة للظلم والاستعمار والاستبداد والعنصرية في العالم، ومع القوى اليهودية المناهضة للصهيونية و للعنصرية، لن تنشأ أوضاعا جديدة تهيئ لدحر الاحتلال الاستيطاني، ولن ينشأ واقع جديد يمهد لتفكيك النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، وينهي نظام الأبارتهايد العنصري، بما يتيح حل ديمقراطي وعادل للصراع ليبني حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والراهنة، ويفتح المجال لحل منصف لليهود الإسرائيليين في دولة ديمقراطية واحدة تضم الطرفين .

نشرت المادة في مجلة “المستقبل العربي” عدد مارس 2021