حقيقة دولة إسرائيل الواحدة .. حان الوقت للتخلي عن حل الدولتين

مايكل بارنيت، ناثان براون، مارك لينش، وشبلي تلحمي- تقديم وترجمة غانية ملحيس

تقديم :

 يتسم  المقال بأهمية استثنائية لأسباب عدة :

 أولها : كتابه الأربعة الذين يعتبرون من أبرز علماء السياسة المتخصصين في الشؤون الدولية عموما والشرق الأوسط خصوصا. وجلهم أساتذة في أهم الجامعات الامريكية. ولهم إسهامات بحثية مهمة ودور استشاري مؤثر في الديبلوماسية الامريكية الشرق أوسطية.

وثانيها : موقع نشر المقال في المجلة الأمريكية الأهم  “فورين أفيرز”  التي يصدرها  مجلس العلاقات الخارجية ، والذي يعتبر واحد من أهم مؤسسات التفكير  الاستراتيجي والأكثر تأثيرا في السياسة الخارجية الامريكية.

وثالثها : مضمون المقال وتحديه  غير المسبوق للخطاب الامريكي السائد ، وإدخال موضوع الدولة  الوطنية الواحدة التي يتساوى فيها الاسرائيليون والفلسطينيون أمام القانون لساحة النقاش في دوائر صنع القرار الامريكي . والذي كان حتى وقت قريب أحد المحرمات ومدعاة للاتهام بمعاداة السامية والملاحقة القضائية. وجرأته في بيان التمايزات بين المصالح الامريكية والاسرائيلية. ومطالبته الإدارة الامريكية بتغيير نهجها على صعيد السياسات والممارسات لحماية مصالحها المهددة . ودعوتها للانطلاق من الواقع  الاسرائيلي القائم فعليا، وتحمل مسؤولياتها عن الإسهام في تشكيل حقائقه. ومطالبتها  من أجل درء المخاطر  المتنامية ، بإخضاع مساعداتها لإسرائيل للمساءلة، ووقف استثناء  إسرائيل من نفاذ القانون الدولي والإنساني.

ينطلق المقال في مطالبته الإدارة الامريكية بتغيير نهجها في مقاربة الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي ، من حقائق الواقع القائم  كما هو ، وليس من الصورة المتخيلة . ويلخص أبرز هذه الحقائق بما يلي :

– أن الدولة الواحدة تحت الحكم الاسرائيلي  التي تمتد على جميع الاراضي غرب النهر / فلسطين الانتدابية/ واقع فعلي قائم منذ مدة طويلة ، وليست احتمالا مستقبليا . وأن عدم إضفاء الطابع الرسمي على الدولة الواحدة مكن إسرائيل من الاحتفاظ بسيطرتها  الكاملة ، والإفلات من مسؤولياتها اتجاه سكانها الفلسطينين/ نصف السكان / . والإيحاء للمجتمع الدولي بان الوضع مؤقت.

– أن سكان دولة الامر الواقع الواحدة / المتوازنون في الثقل الديموغرافي/ يخضعون لنظام فصل عنصري تحكمه قوانين مختلفة جذريا ، حيث  يتمتع اليهود بحقوق  مواطنة  وديموقراطية حصرية  تقتصر عليهم . فيما يخضع  سكانها الفلسطينيون لأنظمة وقوانين تتمايز  وفقا  لأماكن تواجدهم الجغرافي ، ففلسطينيي إسرائيل مواطنين من الدرجة الدنيا، لهم حقوق مدنية  وسياسية مقيدة بقوانين عنصرية باعتبارها دولة يهودية، ومحرومون من المساواة القانونية والقضائية ،ومن الحق في تقرير المصير . فيما سكان القدس الشرقية يخضعون لقانون الإقامة الدائمة باعتبارهم جالية أجنبية ، ويخضع سكان الضفة الغربية لنظام حكم عسكري ، وسكان قطاع غزة لحصار  محكم ومستدام . وينظر إلى الوجود الفلسطيني بأسره في الدولة الواحدة كوجود مؤقت بانتظار فرصة مواتية لإنهائه.

– نفاذ فرص التسوية السياسية  التفاوضية القائمة على حل الدولتين وفقا لحدود العام 1967.

– سيطرة  ائتلاف اليمين الديني  العنصري المتطرف على القرار الاسرائيلي، واستبدال منهج التدرج  الذي كانت تتبعه الصهيونية العلمانية في بسط سلطة الدولة اليهودية الواحدة ، بمنهج الحسم  العاجل بالقوة.

– حدوث تحولات جوهرية في الرأي العام الدولي و الامريكي والغربي عموما ، والأجيال الشابة خصوصا، اتجاه  مسألة حقوق الإنسان وترابطها وشموليتها .

–  تحول موضوع الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي من مسألة تقتصر على السياسية  الخارجية  الامريكية إلى موضوع  يتصل بالسياسة الداخلية والتنافس الاستقطابي الحزبي .

– تنامي اهتمام الشباب اليهودي الامريكي  بالصراع الفلسطيني – الاسرائيلي وتزايد مخاوفهم من تداعيات السياسات والممارسات العدوانية الاسرائيلية على استقرارهم ومصالحهم، وتقلص هامش المرونة  المتاح  أمامهم ، والذي سبق أن مكنهم  سابقًا من المواءمة بين  النضال ضد العنصرية واللاسامية، وبين تأييد إسرائيل التي تطبق نظام فصل عنصري اتجاه الشعب الفلسطيني.

– تعذر إدماج إسرائيل في المحيط العربي والإقليمي دون حل القضية الفلسطينية -خلافا للاعتقاد السائد – ، لأسباب جوهرية ترتبط بمركزية فلسطين في الضمير والوعي العربي من جهة ،  وبتنامي مخاوف الأنظمة العربية من إسهام تجاوز الحقوق الفلسطينية في تفجير الجبهات الداخلية  الهشة القابلة للاشتعال بفعل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية .

وهذه هي المرة الأولى التي توضع فيها أمام الساسة  وصناع القرار الامريكي مرآة عاكسة لدولة إسرائيل  اليهودية العنصرية وتنامي مخاطر  سلوكياتها  من جهة، وللمسؤولية الامريكية في تشكيل حقائقها على امتداد أكثر من قرن من جهة أخرى .

ومع الأهمية القصوى لذلك ، إلا أنه يتوجب  الحذر من المغالاة  فلسطينيا في إمكانية  حدوث تغيير جوهري  مؤثر قريب في السياسة الامريكية  اتجاه الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي ،  فذلك يتطلب تغيرا  عميقا في الداخل الامريكي . وتحولا  في موازين القوى التي يهيمن عليها المجمع الصناعي العسكري، ومجمع النفط والغاز (والتعدين)، والمجمع المصرفي والعقاري على السياسات الداخلية والخارجية الأمريكية. ويشكل يهود امريكا عنصرا  وازنا فيها .

كما يتوجب الإدراك فلسطينيا ، بان التغيير ممكن  في المواقف الامريكية، بما فيها  اليهود الامريكيون ، اتجاه إسرائيل ،  فرغم تأثر هذه المواقف بالتعاطف الديني ، وبالقيم الاستعمارية الاستيطانية المشتركة . إلا أنها  ترتبط جوهريا بالدور  الوظيفي  الذي أنشئت إسرائيل لأدائه . وتبلورت مستلزمات تحقيقه خلال سعي القوى  الاستعمارية الغربية  للتوسع الاستعماري والاستيلاء على إرث الإمبراطورية العثمانية.  وحاجتها  لقاعدة استعمارية استيطانية  أجنبية متقدمة في مركز الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري بين مشرقها ومغربها ( بدءا من نابليون بونابارت 1798 ، مرورا بمؤتمر لندن 1840،  والمؤتمر الصهيوني الاول 1897، ومؤتمر كامبل 1905، واتفاقات سايكس – بيكو 1916 ووعد بلفور 1917، ومعاهدة سان ريمو 1920، وصك الانتداب 1922،  واقامتها فعليا عام 1948 ، ثم توسعها عام 1967 في كامل فلسطين الانتدابية).

هذا الدور الوظيفي يحتكم  لمعايير الكلفة والعائد. وقد عبر عن ذلك الرئيس بايدن بوضوح في  معرض رده على منتقديه الامريكيين لدعم إسرائيل بالقول : إن المساعدة لإسرائيل “هي أفضل استثمار بقيمة 3 مليارات دولار نقوم به” . ثم اكد مرارا  على أنه «لو لم تكن هناك إسرائيل، لتوجّب  على الولايات المتحدة الامريكية أن تخلقها  لحماية مصالحها ».

بمعنى أن  مستقبل إسرائيل يرتبط بمدى كفاءتها في  أداء دورها الوظيفي بشقيقة الصهيوني الخاص والإمبريالي العام ، والذي يقتضي  :

* تكريس هويتها كدولة يهودية بمواصفات محددة، غربية وديموقراطية، تمكنها من  الاحتفاظ بالتأييد والدعم الغربي من جهة ، ومن استقطاب ولاء الغالبية الفاعلة ليهود العالم من جهة ثانية  ، ويبقيها كمركز مسيطر للحركة الصهيونية العالمية من جهة ثالثة.

* توفير ملجأ آمن ومزدهر لمستوطنيها اليهود، ومن يتم تهويدهم، لإبقائهم  وضمان استقرارهم في موطنهم الجديد، ولاجتذاب يهود العالم، ومن يتم تهويدهم، للتجند عند الحاجة  لأدائها  دورها العام/ الإمبريالي/

* تعزيز مكانة يهود العالم، ودعم استمرار تمايزهم، وتعظيم مكتسباتهم وتقوية نفوذهم وتعزيز دورهم في صنع السياسة الداخلية والخارجية في مواطنهم ، لإدامة الدعم والحماية  الخارجية لإسرائيل.

* الإبقاء على التعبئة العامة والجاهزية العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لمواجهة تداعيات سلوكياتها العدوانية التي يقتضيها الوفاء بدورها الوظيفي العام، كقاعدة استعمارية متقدمة للقوى الدولية المتنفذة، مكلفة بتأمين وحماية مصالحها الحيوية في عموم المنطقة،  بكلفة سياسية واقتصادية وعسكرية مقبولة.

وبالرغم من نجاح إسرائيل الملفت في أداء دوريها الخاص والعام طوال العقود الماضية ، إلا أن ذلك لا  يخفي  تعثر المشروع الصهيوني، وعدم تمكنه بعد قرن من المحاولة  من إخفاء نقيضه الفلسطيني . ونجاح الشعب الفلسطيني في الاحتفاظ بوجوده  الوازن على أرض فلسطين . وفي مواصلة نضاله التحرري واستعصائه على الخضوع والاستسلام ، وتمسكه بحقوقه الوطنية والتاريخية  الثابتة غير القابلة للتصرف ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير على ارض فلسطين، وإصراره على بلوغها مهما طال الزمن وعظمت التضحيات.

وهذا ما جعل المكاشفة الصريحة بالحقائق – التي تم تغييبها  وإنكارها على مدار العقود الماضية –  وتضمنها المقال ممكنة .

غير أن  تطوير المكاشفة  إلى فعل تغييري مؤثر ، يحتاج  فلسطينيا إلى  المسارعة في بلورة  رؤية وطنية جامعة ، ومشروع  نهضوي تحرري إنساني نقيض للمشروع الصهيوني ومؤهل لهزيمته ، يوجه ويفعل النضال الفلسطيني عبر استراتيجيات توفر  مستلزمات بلوغ أهدافه ، وخطط وبرامج عمل تتراكم مفاعيلها  تباعا للتغيير  في مركز الصراع  داخل فلسطين  ، بالتوازي والتزامن مع  حفز  قوى التغيير في المحيط العربي والإقليمي والدولي  للتقدم باتجاه المستقبل المنشود .

عنوان المقال: “حقيقة دولة إسرائيل الواحدة . حان الوقت للتخلي عن حل الدولتين“

‎عودة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى السلطة في إسرائيل مع ائتلاف يميني متطرف ضيق حطمت حتى وهم حل الدولتين. لم يخجل أعضاء حكومته الجديدة من إبداء آرائهم حول ماهية إسرائيل، وما يجب أن تكون عليه في جميع الأراضي التي تسيطر عليها.

‎لا تُعرَّف إسرائيل الكبرى كدولة يهودية فحسب ، بل دولة يكرس فيها قانون التفوق اليهودي على جميع  الفلسطينين الذين بقوا هناك.  نتيجة لذلك ، لم يعد من الممكن تجنب مواجهة واقع الدولة الواحدة. ‎ لم تخلق حكومة إسرائيل الجديدة  المتطرفة هذا الواقع، لكنها جعلت من المستحيل إنكاره. ‎فالوضع المؤقت “للاحتلال” للأراضي الفلسطينية أصبح الآن وضعا دائما ، دولة تحكم فيها مجموعة من الناس مجموعة أخرى .

‎الوعد بحل الدولتين كخيار منطقي لمستقبل بديل في السنوات التي تلت اتفاقات أوسلو عام 1993(عندما  كان هناك قوى مستعدة للتسوية على كلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي) بعد إحراز  تقدم ملموس في بناء مؤسسات دولة فلسطينية  مفترضة. لكن تلك الفترة انتهت منذ فترة طويلة.  وليس من المنطقي اليوم ترك الرؤى الخيالية للمستقبل تحجب الوقائع الراسخة القائمة.

‎ لقد حان الوقت للتعامل مع ما يعنيه واقع الدولة الواحدة سياسيا ،على صعيد السياسات والتحليل. ففلسطين ليست دولة قيد التشكل ، وإسرائيل ليست دولة ديمقراطية تحتل صدفة الأراضي الفلسطنية.. 

‎جميع الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن شكلت منذ مدة طويلة  دولة واحدة تحت الحكم الإسرائيلي ، حيث يخضع الشعب والأرض لأنظمة قانونية مختلفة جذريا ، ويعامل الفلسطينيون بشكل دائم على أنهم طبقة أدنى.  صانعو السياسة والمحللون الذين يتجاهلون واقع الدولة الواحدة هذا سيُحكم عليهم بالفشل وانعدام الصلة، لا يفعلون شيئا سوى توفير ستار دخاني  لتغطية وتكريس الوضع الراهن.

‎ بعض التداعيات الناجمة عن واقع الدولة الواحدة واضحة. وهي أن العالم لن يكف عن الاهتمام بحقوق الفلسطينيين، بغض النظر  عن العدد الكبير  لمؤيدي إسرائيل (والحكام العرب) الذين يرغبون في ذلك. وأن تصاعد العنف ونزع الملكية وانتهاكات حقوق الإنسان على مدار العام الماضي ،يزيد من خطر اندلاع المواجهات على نطاق واسع مع كل يوم يُحبس فيه الفلسطينيون داخل النظام القمعي المتنامي الذي يشرع التعدي الإسرائيلي.

‎غير أن الأقل  وضوحا  هو كيف سيتكيف الفاعلون المهمون – اذا كانوا سيتكيفون أساسا- مع تحول واقع الدولة الواحدة من سر مكشوف إلى حقيقة لا يمكن إنكارها.

‎ يبدو أن الرئيس الأمريكي جو بايدن ملتزم تماما بالوضع الراهن ، ولا يوجد دليل على أن إدارته قد فكرت في هذه القضية، أو فعلت الكثير بما يتجاوز إدارة الأزمات والتعبير عن الاستياء.  يتغلغل في واشنطن بقوة التفكير الرغائبي ، حيث  ما يزال العديد من المسؤولين الأمريكيين يحاولون إقناع أنفسهم بأن هناك فرصة للعودة إلى مفاوضات الدولتين بعد مغادرة حكومة نتنياهو المنحرفة. ‎لكن تجاهل الواقع الجديد لن يبقى خيارا لفترة أطول. تتجمع عاصفة في إسرائيل وفلسطين تتطلب استجابة عاجلة من الدولة التي مكنت من ظهور دولة واحدة تدعم التفوق اليهودي. إذا ان الولايات المتحدة تريد تجنب عدم الاستقرار العميق في الشرق الأوسط وتحدي أجندتها العالمية الأوسع، فيجب عليها التوقف عن استثناء إسرائيل من معايير وهياكل النظام الدولي الليبرالي الذي تأمل واشنطن في قيادته.

‎من غير مقبول إلى غير قابل للنكران ‎ ترتيب الدولة الواحدة ليس احتمالا مستقبليا.  إنه قائم  بالفعل، بغض النظر عما يعتقده أي شخص.  بين البحر الأبيض المتوسط ​​ونهر الأردن ، تتحكم دولة واحدة في دخول وخروج الأشخاص والبضائع ، وتشرف على الأمن، ولديها القدرة على فرض قراراتها وقوانينها وسياساتها على ملايين الأشخاص دون موافقتهم.

– [ ]  يمكن لواقع الدولة الواحدة- من حيث المبدأ – أن يقوم على أساس الحكم الديمقراطي والمواطنة المتساوية. لكن مثل هذه الترتيبات ليس متاحا في الوقت الحالي. اضطرت إسرائيل إلى الاختيار بين الهوية اليهودية لإسرائيل والديمقراطية الليبرالية ،  واختارت الأولى. لقد انحشرت داخل نظام التفوق اليهودي، حيث يتم التمييز هيكليا ضد غير اليهود أو استبعادهم في مخطط متدرج : يتمتع بعض غير اليهود بمعظم -ولكن ليس كل- الحقوق التي يتمتع بها اليهود ، بينما يعيش غالبية غير اليهود في ظل الفصل الشديد والسيطرة.

‎ أتاحت عملية السلام في السنوات الأخيرة من القرن العشرين إمكانية لشيء مختلف.  ولكن منذ قمة كامب ديفيد عام 2000 ،عندما فشلت المفاوضات التي قادتها الولايات المتحدة في تحقيق اتفاق الدولتين ، عملت عبارة “عملية السلام” في الغالب على تشتيت الانتباه عن الحقائق على الأرض، ووفرت ذريعة لعدم الاعتراف بها.

‎وأدت الانتفاضة الثانية – التي اندلعت بعد فترة وجيزة من خيبة الأمل في كامب ديفيد – والتدخلات الإسرائيلية التي أعقبتها في الضفة الغربية -وحولت السلطة الفلسطينية إلى أكثر  من مجرد مقاول أمني من الباطن لإسرائيل. وانجرفت السياسة الإسرائيلية نحو اليمين . وفاقمت التحولات السكانية التي أحدثها انتقال المواطنين الإسرائيليين إلى الضفة الغربية، والتجزئة الجغرافية للمجتمع الفلسطيني، وأضحى التأثير التراكمي لذلك  كله  واضحا خلال أزمة العام 2021، عند الاستيلاء على منازل الفلسطينيين في القدس الشرقية ، التي لم تضع المستوطنين الإسرائيليين والفلسطينيين فحسب، وإنما ،أيضا، المواطنين اليهود والفلسطينيين في إسرائيل في مواجهة بعضهم البعض ، في صراع أدى إلى تقسيم المدن والأحياء .

‎تلخص  هذه الاتجاهات ، حكومة  نتنياهو الجديدة ، المكونة من ائتلاف اليمين الديني والقومي المتطرف ، حيث يتباهى أعضاؤها بمهمتهم لإنشاء إسرائيل جديدة على صورتهم: أقل ليبرالية، وأكثر تدينا، وأكثر استعداداً للتمييز ضد غير اليهود. كتب تنياهو أن “إسرائيل ليست دولة لجميع مواطنيها” بل هي دولة للشعب اليهودي فقط  .”

‎أعلن  إيتمار بن غفير ، الرجل لذي عينه وزيرا للأمن القومي، أن غزة يجب أن تكون ” لنا “وأنه “يمكن للفلسطينيين الذهاب إلى المملكة العربية السعودية أو أماكن أخرى ، مثل العراق أو إيران.

‎” لطالما شاركت أقلية من الإسرائيليين في هذه الرؤية المتطرفة ، ولديها أسس قوية في الفكر والممارسة الصهيونية. وقد بدأت باكتساب أتباع بعد فترة وجيزة من احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية في حرب العام 1967. وعلى الرغم من أنها ليست مهيمنة بعد ، إلا أنه يمكنها الادعاء ، بشكل معقول، بأنها أغلبية في المجتمع الإسرائيلي، ولا يمكن وصفها بهامشية.

‎ لطالما كانت حقيقة واقع الدولة الواحدة واضحة لأولئك الذين يعيشون في إسرائيل والأراضي الفلسطينية التي تسيطر عليها، ولأي شخص انتبه للتحولات الحتمية على الأرض. 

‎لكن خلال السنوات القليلة الماضية ، تغير شيء ما.  حتى وقت قريب ، نادرًا ما كان يتم الاعتراف بواقع الدولة الواحدة من قبل الجهات الفاعلة المهمة ، وأولئك الذين تحدثوا الحقيقة بصوت عال تم تجاهلهم أو معاقبتهم على فعل ذلك. ومع ذلك ، وبسرعة ملحوظة ، أصبح ما لا يمكن قوله قريبا  من الحكمة التقليدية.

‎ الديمقراطية بالنسبة للبعض ‎لرؤية حقيقة دولة واحدة ، سيحتاج العديد من المراقبين إلى ارتداء نظارات جديدة.  هؤلاء هم الأشخاص الذين اعتادوا  التمييز بين الأراضي المحتلة وإسرائيل – أي الدولة كما كانت قبل عام 1967 ، عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة  – ‎ويعتقدون أن سيادة إسرائيل تقتصر على الأراضي التي كانت تسيطر عليها قبل 1967.  ‎لكن الدولة والسيادة ليسا ذات الشيء.  تُعرَّف الدولة بما تسيطر  عليه ، بينما تعتمد السيادة على اعتراف الدول الأخرى بشرعية تلك السيطرة.

‎ ستفصل هذه النظارات الجديدة مفاهيم الدولة ، والسيادة ، والأمة ، والمواطنة ، مما يسهل رؤية واقع الدولة الواحدة، الذي يعتمد بشكل حتمي على علاقات التفوق والدونية بين اليهود وغير اليهود في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيل المتمايزة دون منازع. 

‎انظر إلى إسرائيل من منظور الدولة.  إنها تسيطر على منطقة تمتد من النهر إلى البحر ، ولها شبه احتكار لاستخدام القوة ، وتستخدم هذه القوة للحفاظ على حصار شديد القسوة على غزة والسيطرة على الضفة الغربية بنظام من نقاط التفتيش ، والشرطة ، و  توسيع المستوطنات بلا هوادة.  حتى بعد  سحبها   لقواتها من غزة في عام 2005 ، احتفظت الحكومة الإسرائيلية بالسيطرة على نقاط الدخول والخروج في القطاع. 

‎تتمتع غزة – مثل أجزاء من الضفة الغربية- بدرجة من الحكم الذاتي ، ومنذ الحرب الأهلية الفلسطينية القصيرة في العام 2007 ، تدار المنطقة داخليا من قبل منظمة حماس الإسلامية ، التي لا تقبل إلا القليل من المعارضة.  لكن حماس لا تسيطر على الساحل أو المجال الجوي أو حدود المنطقة.  بعبارة أخرى ، بأي تعريف معقول ، فإن دولة إسرائيل تشمل جميع الأراضي من حدودها مع الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط.

‎كان من الممكن التغاضي عن هذا الواقع لأن إسرائيل لم تقدم مطالبات رسمية بالسيادة على كل هذه المناطق. وقد ضمت بعض الأراضي المحتلة ، بما في ذلك القدس الشرقية ومرتفعات الجولان.  لكنها لم تعلن بعد سيادتها على بقية الأراضي التي تسيطر عليها ، ومن المرجح أن تعترف حفنة من الدول فقط بمثل هذه الادعاءات إذا كانت إسرائيل ستقدمها.

العديد من سكان إسرائيل عديمي الجنسية مدى الحياة

‎ إن السيطرة على الأراضي وتعزيز الهيمنة المؤسسية دون إضفاء الطابع الرسمي على السيادة تمكن إسرائيل من الحفاظ على واقع الدولة الواحدة بشروطها.  يمكنها أن تنكر المسؤولية عن (وحقوق) معظم الفلسطينيين لأنهم سكان أراضيها ، ولكنهم ليسوا مواطنين في الدولة.  مما يبرر بشكل ساخر هذا التمييز على أساس أنه يبقي على قيد الحياة إمكانية حل الدولتين. 

‎من خلال عدم إضفاء الطابع الرسمي على السيادة ، يمكن لإسرائيل أن تكون ديمقراطية لمواطنيها ولكنها غير خاضعة للمساءلة من قبل الملايين من سكانها. 

‎سمح هذا الترتيب للعديد من أنصار إسرائيل في الخارج بالاستمرار في التظاهر بأن كل هذا الوضع مؤقت – وأن إسرائيل تظل ديمقراطية ليبرالية ، وأن الفلسطينيين في يوم من الأيام سيمارسون حقهم في تقرير المصير.ولكن ، حتى داخل حدود ما قبل عام 1967 ، فإن الديمقراطية الإسرائيلية لها حدود ، والتي تتضح عندما ينظر إليها من خلال عدسة المواطنة.  أنتجت لهوية اليهودية لإسرائيل وواقع الدولة الواحدة سلسلة معقدة من التصنيفات القانونية التي توزع حقوقًا ومسؤوليات وحماية متباينة. 

‎يعرّف قانون “الدولة القومية” لعام 2018 إسرائيل على أنها “الدولة القومية للشعب اليهودي” ‎وينص على أن “ممارسة الحق في تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل هو أمر حصري  للشعب اليهودي” ؛  لا يذكر الديمقراطية أو المساواة للمواطنين غير اليهود.

‎ وفقًا لهذا التسلسل الهرمي للعضوية ، فإن الفئة الكاملة من المواطنة محجوزة لليهود الإسرائيليين (على الأقل أولئك الذين تتوافق يهوديتهم مع المعايير الحاخامية)،  إنهم مواطنون بدون شروط. 

‎يتمتع الفلسطينيون الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويقيمون في إسرائيل قبل عام 1967 بحقوق سياسية ومدنية، ولكنهم يواجهون قيودًا أخرى – قانونية وخارجية – على حقوقهم ومسؤولياتهم وضمانات الحماية.  لدى الفلسطينيين المقيمين في القدس ، نظريا ، خيار أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين ، لكن معظمهم يرفض ذلك لأن القيام بذلك سيكون عملاً من أعمال عدم الولاء. 

‎الفلسطينيون المقيمون في المناطق هم أدنى طبقة على الإطلاق.  وتعتمد حقوقهم ومسؤولياتهم على المكان الذي يعيشون فيه ، مع وجود أولئك الموجودين في غزة في أسفل التسلسل الهرمي – وهو الموقف الذي تدهور منذ أن سيطرت حماس على السلطة.  إن مطالبة فلسطيني بوصف وضعه القانوني يمكن أن يؤدي إلى إجابة تستمر لعدة دقائق – وما تزال مليئة بالغموض.

‎ طالما كان هناك أمل في حل الدولتين الذي من شأنه الاعتراف بحقوق الفلسطينيين ، كان بالإمكان النظر إلى الوضع داخل حدود إسرائيل لعام 1967 على أنه حالة مساواة قانونية مقترنة بالتمييز الفعلي ضد بعض المواطنين – وهو واقع مؤسف ولكنه مشترك  في كثير من أنحاء العالم.  ولكن عندما يعترف المرء بواقع الدولة الواحدة ، ينكشف أمر أكثر ضررا.  في تلك الدولة الواحدة ، هناك بعض الذين تخضع حركتهم وسفرهم وحالتهم المدنية وأنشطتهم الاقتصادية وحقوق الملكية والوصول إلى الخدمات العامة لقيود شديدة. 

‎نسبة كبيرة من المقيمين مدى الحياة من ذوي الجذور العميقة والمستمرة في أراضي تلك الدولة يصبحون عديمي الجنسية.  وجميع فئات ودرجات التهميش هذه تُفرض من خلال إجراءات قانونية وسياسية وأمنية تفرضها الجهات الحكومية المسؤولة أمام جزء من السكان فقط.

‎ إن تسمية هذا الواقع أمر مثير للجدل سياسيا ، حتى مع وجود إجماع حول التفاوتات الشديدة الملزمة التي تحدده.  دفعت سلسلة من التقارير الصادرة عن المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية والدولية التي ‎توثق هذه التفاوتات مصطلح “الفصل العنصري” من هوامش النقاش الإسرائيلي الفلسطيني إلى مركزه. 

‎يشير الفصل العنصري إلى نظام الفصل العنصري الذي استخدمته حكومة الأقلية البيضاء في جنوب ‎إفريقيا لترسيخ سيادة البيض من العام 1948 إلى أوائل التسعينيات.   ومنذ ذلك الحين تم تعريفها بموجب القانون الدولي والمحكمة الجنائية الدولية على أنها مخطط قانوني للفصل العنصري والتمييز ، واعتبرت جريمة ضد الإنسانية. 

‎قامت منظمات حقوقية كبرى ، بما في ذلك هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية ، بتطبيق المصطلح على إسرائيل ، وكذلك فعل العديد من الأكاديميين : وفقا لاستطلاع رأي أجري في مارس 2022 لعلماء يركزون على الشرق الأوسط ،وهم أعضاء في ثلاث جمعيات أكاديمية كبيرة ، وصف 60% من المشاركين الوضع في إسرائيل والأراضي الفلسطينية بأنه “واقع دولة واحدة مع عدم مساواة شبيهة بـ  تمييز عنصري.” قد لا يكون المصطلح مناسبا تماما. يعتبر نظام التمييز البنيوي في إسرائيل أكثر شدة من تلك التي تتبعها حتى أكثر الدول غير الليبرالية.  لكنه لا يقوم على أساس العرق ، كما تم تعريف الفصل العنصري في جنوب إفريقيا ويتم تعريفه بموجب القانون الدولي ،  ولكن على أساس العرق والجنسية والدين. 

‎ولعل هذا التمييز مهم لمن يرغب في اتخاذ إجراءات قانونية ضد إسرائيل.  ومع ذلك ، فهو أقل أهمية من الناحية السياسية ، ولا معنى له تقريبا عندما يتعلق الأمر بالتحليل. ‎ما يهم سياسيا هو أن مصطلحا من المحرمات، أصبح بشكل متزايد مفهوما سائدا وفهما منطقيا للواقع. 

‎وما يهم من الناحية التحليلية ، هو أن تسمية الفصل العنصري تصف بدقة الحقائق على الأرض، وتقدم بدايات خارطة طريق لتغييرها. 

‎الفصل العنصري ليس مصطلح  سحري يغير  الواقع عند الاستشهاد به.  لكن دخوله إلى التيار السياسي السائد، يكشف عن اعتراف واسع بأن الحكم الإسرائيلي مصمم للحفاظ على السيادة اليهودية في جميع الأراضي التي تسيطر عليها الدولة.  قد لا يكون نظام إسرائيل فصلا عنصريا من الناحية الفنية ، لكنه متناغم معه

‎ إيقاظ فظ ‎ إن الإسرائيليين والفلسطينيين هم الذين يجب أن يتعاملوا مع واقع الدولة الواحدة.  لكن هذا الواقع سيعقد أيضا علاقة إسرائيل ببقية العالم. لمدة نصف قرن ، سمحت عملية السلام للديمقراطيات الغربية بالتغاضي عن الاحتلال الإسرائيلي لصالح مستقبل طموح ينتهي فيه الاحتلال بالتفاوض المتبادل. كما أن الديمقراطية الإسرائيلية (مهما كانت معيبة) ،والتمييز الاسمي بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة ساعدت  الغرباء على غض أنظارهم. لقد ولت كل هذه الانحرافات.  لطالما كان واقع الدولة الواحدة جزءا لا يتجزأ من القانون والسياسة والمجتمع الإسرائيليين ، حتى لو تم الاعتراف به الآن على نطاق واسع.  لا توجد بدائل جاهزة ، وقد مرت عقود منذ أن كانت هناك أي عملية سياسية ذات مغزى . ‎ربما لن يغير الاعتراف بهذه الحقائق كثيرا.  العديد من المشاكل العالمية الدائمة لم يتم حلها أبدا . 

نحن نعيش في عالم شعبوي ، حيث تتعرض الديمقراطية وحقوق الإنسان للتهديد 

‎يشير القادة الإسرائيليون إلى اتفاقيات أبراهام ، التي أقامت علاقات لإسرائيل مع البحرين والمغرب والسودان والإمارات العربية المتحدة ، ليقولوا أن التطبيع مع الدول العربية لم يتطلب أبدا حل القضية الفلسطينية. 

‎من جانبهم ، قد يستمر القادة الغربيون ببساطة في التظاهر بأن إسرائيل تشاركهم قيمهم الديمقراطية الليبرالية ، بينما ضاعف العديد من الجماعات المؤيدة  لإسرائيل في الولايات المتحدة دعمهم لها . 

‎قد يكافح اليهود الليبراليون الأمريكيون للدفاع عن إسرائيل التي تتمتع بالعديد من خصائص الفصل العنصري ، لكن احتجاجاتهم لن يكون لها تأثير عملي يذكر.ومع  ذلك ، هناك أسباب للاعتقاد بأن الانتقال من عالم طموح قائم على دولتين إلى عالم حقيقي قائم على دولة واحدة يمكن أن يكون قاسيا . 

‎إن تعميم تشبيه الفصل العنصري ، وصعود حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ‎ورد الفعل العنيف ضد كليهما، يوحي بأن الظروف السياسية قد تغيرت.   قد تتمتع إسرائيل بأمن مادي واعتراف دبلوماسي إقليمي أكثر من أي وقت مضى ، مع القليل من القيود الدولية أو المحلية على أنشطتها في الضفة الغربية.  لكن السيطرة تتطلب أكثر من القوة الغاشمة. كما تتطلب بعض مظاهر الشرعية،مع الحفاظ على الوضع الراهن من خلال التسليم بطبيعته كإحساس سليم ، واستحالة حتى التفكير في مقاومة مبررة. ما  تزال إسرائيل تمتلك القوة المادية لكسب المعارك التي تختارها. 

‎ولكن مع انتشار تلك المعارك ، فإن كل نصر يزيد من تآكل وضعها القتالي.  أولئك الذين يريدون الدفاع عن واقع الدولة الواحدة، يدافعون عن المبادئ الاستعمارية في عالم ما بعد الاستعمار.

‎ قد يتخذ النضال من أجل تعريف وتشكيل مصطلحات واقع الدولة الواحدة أشكالا جديدة. في الماضي ، خلقت الحروب الطاحنة  بين الدول فرصا للمفاوضات والدبلوماسية عالية المخاطر. لكن في المستقبل ، من غير المرجح أن يواجه صانعو السياسة الأمريكيون صراعات تقليدية مثل تلك التي اندلعت بين إسرائيل والدول العربية في عامي 1967 و 1973. وبدلا من ذلك ، سيواجهون شيئا أقرب إلى الانتفاضة الأولى والثانية – اندلاع مفاجئ للعنف الجماهيري ، وهبة شعبية مثل تلك التي حدثت في مايو 2021.

‎في ذلك الوقت، أشعلت الاشتباكات في القدس حريقا أوسع نطاقا شمل إطلاق الصواريخ بين إسرائيل وحماس، ومظاهرات وأعمال عنف في الضفة الغربية ، وحوادث بشعة بين  إسرائيليين من أصول يهودية وفلسطينية،  وتصرفت الشرطة الإسرائيلية كما لو أن العرق يتفوق على المواطنة.  يبدو أن أعمال العنف اليومية ، والموجات المتفرقة من الاضطرابات الشعبية – وربما حتى انتفاضة ثالثة كاملة – لا مفر منها.

‎يضطر صانعو السياسة في الولايات المتحدة وأماكن أخرى ، الذين تحدثوا منذ فترة طويلة عن الحاجة إلى الحفاظ على حل الدولتين ، بشكل متزايد على الرد على الأزمات التي لم يكونوا مستعدين لها. 

‎أثارت المشاكل التي ولّدها واقع الدولة الواحدة حركات تضامن ومقاطعات وصراعات مجتمعية جديدة.  تسعى المنظمات غير الحكومية والحركات السياسية التي تدعم qQمختلف القضايا الإسرائيلية والفلسطينية وجماعات المناصرة العابرة للحدود الوطنية ، وأدت إلى تغيير المعايير العالمية والتأثير على الأفراد والمجتمعات والحكومات بحملات إعلامية جديدة وقديمة. 

‎على نحو متزايد ، يهدفون إلى تصنيف أو مقاطعة البضائع المنتجة في الأماكن التي تسيطر عليها الحكومة الإسرائيلية (أو حظر مثل هذه المقاطعات) ، واستدعاء قوانين الحقوق المدنية لتعبئة مؤيديهم وإيجاد بدائل للجهود الدبلوماسية غير المكتملة للقادة الحكوميين. لكن كل هذه الحركات والحملات تسعى إلى حشد الجماهير المنقسمة بشدة: الفلسطينيون منقسمون بين ‎حاملي الجنسية الإسرائيلية ، وأولئك الذين لديهم أشكال أخرى من الإقامة، وكذلك أولئك الذين يعيشون في القدس الشرقية ، وفي الضفة الغربية وفي قطاع غزة .  وهم ، أيضا ، منقسمون بين أولئك الذين يعيشون في واقع الدولة الواحدة، وأولئك الذين يعيشون في الشتات.  ومنقسمون سياسيا بين حركة فتح التي تسيطر على الضفة الغربية وحركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة. 

‎ومنقسمون بشكل متزايد بين الأجيال. إذ يشعر الفلسطينيون الأصغر سنا بأنهم أقل ارتباطًا بالحركات السياسية والتنظيمية الت استقطبت وأطرت نضال آبائهم وأجدادهم ، ومن المرجح أن ينجذبوا إلى مجموعات جديدة ، أو اعتماد  أشكال وتكتيكات مقاومة جديدة.

‎بالمثل ، ينقسم اليهود الإسرائيليون حول طبيعة الدولة ودور الدين في السياسة ومجموعة من الأمور الأخرى ، بما في ذلك حقوق المثليين والمثليات، والأقليات الجنسية الأخرى. 

‎نظم اليهود الإسرائيليون الليبراليون احتجاجات ضخمة ضد هجوم حكومة نتنياهو على الديمقراطية والقضاء ، لكنهم لم يحشدوا كثيرا حول القضية الفلسطينية ، مما أظهر كيف أن الخلافات الداخلية قد أزالت جانبا الأسئلة حول عملية السلام التي لم تعد موجودة.

‎والنتيجة هي أن القادة من كلا الجانبين لا يقودون. وهناك سياسيون في جميع المعسكرات يريدون استمرار التغطية على الصراع ، عموما ليس لخدمة أي استراتيجية للحل ، ولكن من منطلق التعطيل والشعور بالعجز.  فيما السياسيون الآخرون يريدون عكس ذلك: تغيير الأمور والتحرك في اتجاه مختلف تماما ، كما فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ “صفقة القرن” ، حيث وعد بإنهاء الصراع  بطريقة قضت فعليا على حقوق الفلسطينيين وتطلعاتهم الوطنية. 

‎كما يأمل اليهود الذين يضغطون من أجل الضم الرسمي للأراضي المحتلة ، والفلسطينيون الذين يدافعون عن أنماط جديدة لمقاومة الحكم الإسرائيلي في قلب الوضع الراهن.  غير أن  كل هذه الجهود تتعثر على الهياكل الراسخة للسلطة والمصالح.

‎ في ظل هذه الظروف ، من المرجح أن تفشل أي دبلوماسية تتم باسم حل النزاع بطريقة عادلة ، لأنها أخطأت في فهم البدائل الممكنة للمأزق الحالي ، والإرادة بين جميع الأطراف لتحقيقها. سيتعين على صانعي السياسات الراغبين في بناء خيارات أفضل  الانتباه إلى الطرق التي يعمل بها ويتطور نظام الدولة الواحدة. سوف يحتاجون إلى فهم كيف يتخيل سكانها المتنوعون وطنهم ،  وكيف يتم فرض الحقوق أو انتهاكها ، وكيف تغير التركيبة السكانية ببطء ولكن بشكل ملحوظ.

‎شبح  الربيع العربي ‎ الاعتراف بواقع الدولة الواحدة له تداعيات مهمة – ومتناقضة – على العالم العربي. لطالما افترضت حجة حل الدولتين أهمية القضية الفلسطينية للجمهور العربي ، إن لم يكن لحكوماتهم.  حددت مبادرة السلام السعودية لعام 2002 ، التي عرضت تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجميع الدول العربية مقابل انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة عام 1967،  خط أساس، أن السلام مع العالم العربي يتطلب حلاً للقضية الفلسطينية.

استهدفت اتفاقات أبراهام ، التي توسطت فيها إدارة ترامب ودعمتها إدارة بايدن بحماس ، كسر هذا الافتراض صراحة، من خلال تسريع التطبيع السياسي والتعاون الأمني ​​بين إسرائيل والعديد من الدول العربية دون الحاجة إلى إحراز تقدم في القضية الفلسطينية. وقطع هذا الفصل بين التطبيع العربي والقضية الفلسطينية شوطا طويلا نحو ترسيخ واقع الدولة الواحدة.

‎ حتى الآن ، أثبتت اتفاقيات أبراهام أنها دائمة ، فقد نجت بالرغم من تشكيل حكومة نتنياهو مع وزرائها المتطرفين. ومن المرجح أن يستمر تطبيع العلاقات على الأقل بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة ،

‎بعد الجولة التالية من العنف الإسرائيلي الفلسطيني، بل وحتى التحركات الإسرائيلية العلنية تجاه الضم. 

‎غير أنه منذ توقيع الاتفاقات ، لم تسع دول عربية أخرى إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل ، وواصلت المملكة العربية السعودية التحوط في  رهاناتها من خلال تأجيل إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل.

‎ومن المرجح أن يظل التطبيع العربي مرتبطا بالقضية الفلسطينية إلى أجل غير مسمى خارج دول الخليج. من السهل جدا تخيل سيناريو تتحرك فيه إسرائيل لمصادرة المزيد من الممتلكات في القدس ، وتثير احتجاجات فلسطينية واسعة النطاق ، ثم ترد على هذه الاضطرابات بمزيد من العنف ونزع الملكية بشكل أسرع – مما يؤدي في النهاية إلى الانهيار النهائي للسلطة الفلسطينية.  يمكن لمثل هذا التصعيد أن يؤدي بسهولة إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق في جميع أنحاء العالم العربي ، حيث أدت المصاعب الاقتصادية المستمرة منذ فترة طويلة والقمع السياسي إلى خلق صندوق بارود. هناك أيضا تهديد أخطر يتمثل في قيام إسرائيل بطرد الفلسطينيين من الضفة الغربية أو حتى القدس – وهو احتمال” ، يُطلق عليه أحيانا تعبيرا ملطفا ، “الترحيل” . وتشير  استطلاعات الرأي إلى أن العديد من اليهود الإسرائيليين سيؤيدون ذلك ، وهذا لا يعني شيئًا عن الكيفية التي قد تستغل بها حماس أو إيران مثل هذه الظروف.

‎قد لا تهتم الأنظمة العربية بالفلسطينيين ، لكن شعوبهم تهتم – وهؤلاء الحكام لا يهتمون بأكثر من الاحتفاظ بعروشهم.  إن التخلي الكامل عن الفلسطينيين بعد أكثر من نصف قرن من الدعم الخطابي على الأقل، سيكون محفوفًا بالمخاطر. لا يخشى القادة العرب خسارة الانتخابات ، لكنهم يتذكرون الانتفاضات العربية في عام 2011 جيدا ، وهم قلقون بشأن أي شيء يدعو إلى تعبئة شعبية جماهيرية يمكن أن تتحول  بسرعة إلى احتجاجات ضد أنظمتهم.

الخروج أم الصوت أم الولاء؟

‎ قد يحدث الاعتراف بواقع الدولة الواحدة استقطابا في الحديث الأمريكي حول إسرائيل والفلسطينيين. 

‎قد يتبنى الإنجيليون وكثيرون آخرون من اليمين السياسي هذا الواقع على أنه تحقيق لما يعتبرونه تطلعات إسرائيلية مشروعة. وقد يدرك العديد من الأمريكيين الذين تركوا يسار الوسط أخيرا  أن إسرائيل قد سقطت من صفوف الديمقراطيات الليبرالية، وقد يتخلون عن الوعد الوهمي بدولتين من أجل هدف دولة واحدة تمنح حقوقا متساوية لجميع سكانها.

‎ تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية كبيرة في ترسيخ واقع الدولة الواحدة ، وتستمر في لعب دور قوي في تأطير وتشكيل المسألة الإسرائيلية – الفلسطينية.  لم يكن بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ليصمد ويتسارع ،  ولم يكن الاحتلال ليصمد ، لولا  الجهود الأمريكية لحماية إسرائيل من التداعيات في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، ولولا التكنولوجيا والأسلحة الأمريكية. وربما لم تكن إسرائيل قادرة على الحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة ، الأمر الذي مكنها أيضا من ترسيخ موقعها في الأراضي المحتلة. وبدون موارد وجهود دبلوماسية أمريكية كبيرة، لم يكن بإمكان إسرائيل إبرام اتفاقيات سلام مع الدول العربية ، من كامب ديفيد إلى اتفاقيات أبراهام . ومع  ذلك ، فإن المحادثات الأمريكية حول إسرائيل والفلسطينيين قد أهملت عن عمد، الطرق التي تحرض بها واشنطن الاحتلال. تمت صياغة دعم الولايات المتحدة لعملية السلام  بذريعة  أمن إسرائيل ، وبذريعة الفكرة القائلة بأن حل الدولتين ،فقط، هو الذي يمكن أن يحافظ على إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. لطالما كان هذان الهدفان في حالة توتر ، لكن واقع الدولة الواحدة القائم يجعلهما غير قابلين للتحقق .

تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية كبيرة عن واقع الدولة الواحدة

‎ على الرغم من أن القضية الإسرائيلية الفلسطينية لم تكن أبدا على رأس قائمة أولويات الرأي العام الأمريكي ، فقد تغيرت المواقف الأمريكية بشكل ملحوظ:  وانخفض الدعم لحل الدولتين ، وارتفع الدعم خلال السنوات القليلة الماضية لدولة واحدة تضمن المواطنة المتساوية.

‎تظهر استطلاعات الرأي أن معظم الناخبين الأمريكيين إذا أجبروا على الاختيار ، سوف يدعمون إسرائيل الديمقراطية  على إسرائيل اليهودية.   كما أصبحت وجهات النظر حول إسرائيل أكثر حزبية بكثير ،  حيث أصبح الجمهوريون ، وخاصة الإنجيليين ، أكثر دعمًا للسياسات الإسرائيلية ، والأغلبية الساحقة من الديمقراطيين يفضلون سياسة أمريكية منصفة. يعبر الديموقراطيون الشباب الآن عن دعمهم للفلسطينيين أكثر من إسرائيل. وأحد أسباب هذا التحول – خاصة بين الديمقراطيين الشباب- هو أن القضية الإسرائيلية/ الفلسطينية يُنظر إليها بشكل متزايد على أنها قضية عدالة اجتماعية، وليست مصلحة استراتيجية أو نبوءة توراتية.  كان هذا صحيحا بشكل خاص في عصر “حياة السود مهمة ” .

‎ لقد زعزع واقع الدولة الواحدة  بشكل خاص سياسات اليهود الأمريكيين. فمنذ السنوات الأولى للصهيونية  اعتبر المؤيدون الأمريكيون لإسرائيل أن تطلع إسرائيل إلى أن تكون يهودية وليبرالية في نفس الوقت أمر مقدس. قد تكون حكومة نتنياهو الأخيرة هي نقطة الانهيار بالنسبة لهذه المجموعة.  من الصعب التوفيق بين الالتزام بالليبرالية مع دعم دولة واحدة تقدم مزايا الديمقراطية لليهود (ويبدو الآن أنها تخطو نحو ذلك ) لكنها تحجبها صراحة عن غالبية سكانها من غير اليهود. يرى معظم اليهود الأمريكيين المبادئ الليبرالية الأساسية مثل حرية الرأي والتعبير وسيادة القانون والديمقراطية ليس فقط كقيم  يهودية . ولكن أيضا كحصن ضد التمييز ، يضمن قبولهم وحتى بقاءهم في الولايات المتحدة. 

‎وبالرغم من أن  التزام إسرائيل بالليبرالية  طالما كان مهزوزا  .  كدولة يهودية ، فإنها تعزز شكلا من أشكال القومية العرقية بدلا من القومية المدنية ، ويلعب مواطنوها اليهود الأرثوذكس دورا كبيرًا في تحديد كيفية تشكيل اليهودية للحياة الإسرائيلية.

‎في العام 1970 ، كتب الخبير الاقتصادي السياسي ألبرت هيرشمان أن أعضاء المنظمات التي تمر بأزمة أو انحدار لديهم ثلاث خيارات : “الخروج ، والصوت  والولاء”.

‎اليهود  الاميركيون لديهم  اليوم نفس الخيارات.  يُظهر المعسكر ، الذي يهيمن على المؤسسات اليهودية الكبرى في الولايات المتحدة ، ولاء ممكنا من إنكار واقع الدولة الواحدة. 

‎الصوت هو الاختيار السائد على نحو متزايد للأمريكيين اليهود الذين كانوا في السابق في معسكر السلام، عندما كان  التركيز على تحقيق حل الدولتين. يوجه هؤلاء  اليهود الأمريكيون الآن نشاطهم نحو الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ، وحماية المساحة المتقلصة للمجتمع المدني الإسرائيلي ، ومقاومة المخاطر التي تشكلها حكومة نتنياهو اليمينية. 

‎أخيرًا ، هناك اليهود الأمريكيون الذين اختاروا الخروج أو اللامبالاة.  إنهم ببساطة لا يفكرون كثيرا في إسرائيل. قد يكون ذلك بسبب عدم امتلاكهم هوية يهودية قوية، أو لأنهم يرون أن إسرائيل منحرفة ، أو حتى معارضة لقيمهم.  هناك بعض الأدلة على أنه كلما تراجعت إسرائيل إلى اليمين ، تنامت هذه المجموعة ، خاصة بين الشباب اليهود الأمريكيين.

التحقق من الواقع

‎ حتى الآن ، سعت إدارة بايدن إلى الحفاظ على الوضع الراهن مع حث إسرائيل على تجنب الاستفزازات الكبيرة. ردا على استمرار بناء المستوطنات في الضفة الغربية والانتهاكات الإسرائيلية الأخرى للقانون الدولي ، أصدرت الولايات المتحدة بيانات فارغة تدعو إسرائيل إلى تجنب الأعمال التي تقوض حل الدولتين. لكن هذا النهج يخطئ في تشخيص المشكلة ويزيدها سوءا : حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة هي أحد أعراض واقع الدولة الواحدة وليست سببا لها، وتدليلها في محاولة لإقناعها نحو الاعتدال لن يؤدي إلا إلى تشجيع قادتها المتطرفين عبر إظهار أنهم لا يدفعون ثمنا لأفعالهم. 

‎عوضا عن ذلك ، يمكن للولايات المتحدة أن تواجه واقعا متطرفا برد فعل جذري.  باديء ذي بدء ، يجب على واشنطن أن تحذف مصطلحي “حل الدولتين” و “عملية السلام” من مفرداتها.  دعوات الولايات المتحدة للإسرائيليين والفلسطينيين للعودة إلى طاولة المفاوضات تعتمد على التفكير السحري. 

‎إن تغيير الطريقة التي تتحدث بها الولايات المتحدة حول المسألة الإسرائيلية الفلسطينية لن يغير شيئا على الأرض، لكنه سيزيل ستارا سمح لصانعي السياسة الأمريكيين بتجنب مواجهة الواقع.  يجب على واشنطن أن تنظر إلى إسرائيل كما هي فعلا ، وليس كما هي مفترضة – وتتصرف وفقا لذلك. 

‎لم تعد إسرائيل حتى تتظاهر بأنها تحافظ على تطلعاتها الليبرالية. ليس لدى الولايات المتحدة “قيم مشتركة” ولا ينبغي أن يكون لها “روابط غير قابلة للكسر” مع دولة تمارس التمييز ضد الملايين من سكانها، أو تسيء إليهم على أساس عرقهم ودينهم.

‎ من شأن سياسة أمريكية أفضل أن تدعو إلى المساواة والمواطنة وحقوق الإنسان لجميع اليهود والفلسطينيين الذين يعيشون داخل الدولة الواحدة التي تهيمن عليها إسرائيل. من الناحية النظرية ، لن تمنع مثل هذه السياسة إحياء حل الدولتين، في الحدث غير المحتمل أن يتحرك الطرفان في هذا الاتجاه في المستقبل البعيد. ‎لكن البدء من واقع الدولة الواحدة المستهجن أخلاقيا، والمكلف من الناحية الاستراتيجية يتطلب تركيزا فوريا على حقوق الإنسان والحقوق المدنية المتساوية. 

إن الرفض الجاد للواقع الجائر اليوم من قبل الولايات المتحدة وبقية المجتمع الدولي قد يدفع الأطراف نفسها إلى التفكير بجدية في مستقبل بديل.  يجب على الولايات المتحدة أن تطالب الآن بالمساواة ، حتى لو كان الترتيب السياسي النهائي متروكا للفلسطينيين والإسرائيليين لتحديده. ولهذه الغاية ، يجب على واشنطن أن تبدأ في اشتراط المساعدة العسكرية والاقتصادية لإسرائيل بإجراءات واضحة ومحددة لإنهاء الحكم العسكري الإسرائيلي على الفلسطينيين. إن تجنب مثل هذه المشروطية جعل واشنطن متواطئة بشدة في واقع الدولة الواحدة.  إذا استمرت إسرائيل في مسارها الحالي، فيجب على الولايات المتحدة أن تفكر في تقليص المساعدات والامتيازات الأخرى بشكل حاد ، وربما حتى فرض عقوبات ذكية وموجهة ضد إسرائيل والقادة الإسرائيليين، ردا على الإجراءات العدائية الواضحة. 

‎يمكن لإسرائيل أن تقرر بنفسها ما تريد القيام به ، لكن يمكن للولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى أن تتأكد من أنها تعرف تكاليف الحفاظ على نظام تمييزي غير ليبرالي للغاية بل وتكثيفه.

‎لم تعد إسرائيل حتى تتظاهر بأنها تحافظ على تطلعاتها الليبرالية ‎ إن أوضح رؤية عالمية عبرت عنها إدارة بايدن كانت دفاعها الكامل عن القوانين والأعراف الدولية ردا على الغزو الروسي لأوكرانيا. حتى لو تجاهل المرء واقع الدولة الواحدة ، فإن نفس المعايير والقيم ستكون بالتأكيد على المحك في إسرائيل وفلسطين، كما هو مفهوم على نطاق واسع عبر جنوب الكرة الأرضية.  عندما تنتهك إسرائيل القوانين الدولية والأعراف الليبرالية ، يجب على الولايات المتحدة إدانة إسرائيل لهذه الانتهاكات كما تفعل مع أي دولة أخرى.  تحتاج واشنطن إلى التوقف عن حماية إسرائيل في المنظمات الدولية عندما تواجه مزاعم صحيحة بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي. 

‎ويتعين عليها الامتناع عن استخدام حق النقض ضد قرارات مجلس الأمن الدولي التي تهدف إلى محاسبة إسرائيل، والتوقف عن مقاومة الجهود الفلسطينية للسعي إلى الإنصاف في المحاكم الدولية ، وحشد الدول الأخرى للمطالبة بإنهاء الحصار المفروض على غزة – وهو إجراء مؤقت آخر يفترض أنه أصبح  حقيقة مؤسسية قاسية .

‎ لكن واقع الدولة الواحدة يتطلب المزيد. بالنظر إلى إسرائيل من هذا المنظور ، فإنها تشبه دولة الفصل العنصري.  بدلا من إعفاء إسرائيل من القاعدة القوية ضد الفصل العنصري ، المنصوص عليها في القانون الدولي ، يجب على واشنطن أن تأخذ في الحسبان الواقع الذي ساعدت في خلقه والبدء في عرض هذا الواقع ، والتحدث عنه ، والتفاعل معه بصدق. يجب على الولايات المتحدة أن تدافع عن المنظمات غير الحكومية الدولية والإسرائيلية والفلسطينية، ومنظمات حقوق الإنسان ، والنشطاء الأفراد الذين تم تشويه سمعتهم بسبب دعوتهم الشجاعة ضد الظلم البنيوي. يجب على واشنطن حماية منظمات المجتمع المدني الإسرائيلية التي تعتبر الملاذ الأخير للقيم الليبرالية في البلاد ، والمنظمات الفلسطينية التي ستكون جهودها حاسمة لتجنب الصراع الدموي في الأشهر المقبلة. يجب على الولايات المتحدة أيضا معارضة الاعتقالات الإسرائيلية للقادة الفلسطينيين الذين يقدمون رؤية غير عنيفة للمقاومة الشعبية. ولا ينبغي لها أن تسعى لوقف أو معاقبة أولئك الذين يختارون المقاطعة السلمية لإسرائيل بسبب سياساتها التعسفية.  على الرغم من أن واشنطن لا تستطيع منع تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجيرانها العرب، لكن يجب أن لا تقود الولايات المتحدة مثل هذه الجهود.  لا ينبغي أن ينخدع أحد بسراب اتفاقات أبراهام  المزدهرة بينما تتفاقم القضية الفلسطينية. أدى فصل اتفاقيات التطبيع هذه عن معاملة إسرائيل للفلسطينيين إلى تقوية اليمين الإسرائيلي المتطرف وترسيخ التفوق اليهودي داخل الدولة.

‎ هذه التغييرات في سياسة الولايات المتحدة لن تؤتي ثمارها على الفور.  سيكون رد الفعل السياسي شرسا ، على الرغم من أن الأمريكيين – وخاصة الديمقراطيين – قد أصبحوا أكثر انتقادا لإسرائيل من السياسيين الذين ينتخبونهم.  لكن على المدى الطويل ، توفر هذه التغييرات أفضل أمل للتحرك نحو نتيجة أكثر سلاما وعدالة في إسرائيل وفلسطين. من خلال مواجهة واقع الدولة الواحدة أخيرا واتخاذ موقف مبدئي ، ستتوقف الولايات المتحدة عن كونها جزءا من المشكلة وتبدأ في أن تكون جزءا من الحل.

‎ * مايكل بارنيت أستاذ جامعي للشؤون الدولية والعلوم السياسية في كلية إليوت للشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن.

‎ * ناثان براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن وزميل أول غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

‎ * مارك لينش أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن.

‎ * شبلي التليمي أستاذ أنور السادات للسلام والتنمية بجامعة ميريلاند وزميل أول غير مقيم في معهد بروكينغز.

المصدر:

https://www.foreignaffairs.com/middle-east/israel-palestine-one-state-solution?fbclid=IwAR1oJDnOWzwUMDsBKVt2BW9FLKOhM9RKws1owZItl3vXwdIp9OYgcA502ko